الخميس، 5 يناير، 2012

قصيرة ...ولكن حافلة

هل تفضل ان تعيش حياة طويلة وإن كانت تعيسة أو باهتة بلا أضواء ولا أمجاد

أو فاترة بلا حرارة ولا تميز فى أى شىء ؟ أم أن تعيش حياة قصيرة ولكن حافلة بالأحداث .. والإثارة والترقب والانفعال .. والتميز فى أى مجال من مجالات الحياة

كثيرون سوف يجيبون على هذا السؤال بأنهم يفضلون الحياة القصيرة الحافلة ..

وآخرون سوف يقولون لك أننا لا نختار اعمارنا طالت أم قصرت لكننا نتمنى لو كانت حياتنا مثيرة لا تعرف الرتابة ولا الجمود .. ومتألقة بالنجاح والانفراد والطموح . ونحن فعلا لا نختار اعمارنا .. ولكننا قد نختار فى بعض الأحيان حياتنا .. وفى أحيان أخرى تختارنا هذه الحياة ولنفسها ونستسلم لها نحن بلا متعة ولا إرادة.

وواحد من الذين اختاروا حياتهم .. هو الرسام الإيطالى موديليانى الذى تنشر لوحاته الآن فى المتاحف العالمية فلقد قال ذات يوم : اتمنى ان اعيش بالفعل حياة قصيرة .. ولكن حافلة !

وعاش بالفعل حياة قصيرة .. ولكنها لم تكن حافلة بالنجاح ولا بالشهرة ولا بالسعادة , أما الإثارة فلم تشهدها حياته إنما شهدها موته !

فلقد هجر بلاده إيطاليا وهو فى الثانية والعشرين من عمره إلى باريس

وأقام فى غرفة ضيقة بإحدى حارتها وأمضى أيامه ينحت التماثيل ..

ويرسم اللوحات ويسرف فى الخمر والمخدرات ,فلم يمض وقت طويل حتى أصيب بالسل وواصل رسم لوحته وهو ينفث الدم من فمه . وعرف الحب وأحب فتاه فرنسية اسمها جين هيبوترن وعاش معها بلا زواج وأنجب منها طفلة .. وبعد شقاء طويل عرف بعض النجاح وبدأت لوحاته تدر عليه بعض الفرنكات , لكن وطأ المرض ازدادت عليه فجمع له اصدقاؤه بعض المال وأرسلوه إلى جنوب فرنسا للاستشفاء فى جو الجنوب الدافئ .. فلم تتحسن صحته ولم يتوقف نزيف صدره , وعاد من هناك اسأ حالا .. فأدخلوه المستشفى وهو فى غيبوبة .. ومات بعد قليل وهو فى سن الشباب غريبا فى بلاد غريبة , وعاد أصدقاؤه بالنبأ الحزين إلى صديقته .. فهرعت إلى المستشفى وارتمت على صدره وغمرت وجهه بالقبلات وانتزعوها من فوق جثمانه انتزاعا وأعادوها إلى مسكنها .. فصعدت درج السلم عمره سبعة شهور .. وفارق الحبيبان الدنيا فى يوم واحد .. كأنهما روميو وجوليت فى مسرحية شكسبير الشهيرة .

ومثل موديليانى .. عاش الموسيقار النمساوى شوبرت حياة قصيرة أيضا وإن كان لم يتمن لنفسه هذه الحياة الخاطفة , فلقد ولد فى فينا وبدأ يتلقى دروس الموسيقى وهو فى الخامسة من عمره .. وأعلنت عبقريته عن نفسها وهو فى الثالثة عشرة فبدأ يكتب أعماله الموسيقية وكتب عشر سيمفونيات أشهرها السيمفونية الناقصة وعشرات الأغانى والمقطوعات المتوسطة والقصيرة .. وحين بدأ يجنى أولى ثمار نجاحه وعبقريته .. فاجأه الموت وهو فى الواحدة والثلاثين من عمره ’ وانطوت صفحة حياة كان عناؤها أكثر من سعادتها وبهجتها .

وربما يكون الاسكندر الأكبر وحده .. هو ممن يستطيع أن يقول أنه عاش حياة قصيرة ولكن حافلة بما لا تتسع له حياة كثيرين مهما طالت .

فلقد بدأت رحلته للمجد وهو فى سن الصبا .. وروى بعض المؤرخين أنه وهو فى سن المراهقة , عرض البعض على أبيه فيليب المقدونى حصاناً كريماً ليشتريه بمبلغ كبير , واختبره الآب ولم يستطع أحد من قواده أن يركبه , فقد كان الحصان

يقف على رجليه الخلفيتين وتوثب فزعاً كلما حاول أحد ركوبة فيئس منه فيليب وأمر باستبعاده , وفوجئ بال اسكندر يطلب منه السماح له بترويض هذا الحصان الجامع , ونهره الأب لتوقحه على الضباط الكبار الأكبر منه سناً لكن الاسكندر اصرً فسأله ساخراً :

أتظن أنك ستنجح فيما فشل فيه هؤلاء القواد الكبار ؟ فأجابه بهدوء :

نعم , ووافق الأب ضاحكاً .. واقترب الاسكندر الحصان وسط ضحكات الأب والضباط فأمسك بعنان الحصان وأداره برفق بحيث يواجه الشمس ثم ربت عليه بحنان وامتطاه فإذا بالحصان يسلم له قياده ويتمشى به الاسكندر جيئة وذهاباً وسط ذهول الحاضرين , وسأله فيليب عما صنع بالحصان فأجاب ببساطة : كانت الشمس خلف الحصان .. فكان يفزع من ظلمه الذى يرتسم على الأرض أمامه .. فأردته بحيث يقع طله خلفه ..فهدأ وأسلم لى قياده ! ويهر الأب بعبقرية ابنه وقوة ارادته فقال له معجبا : أرض مقدونيا لأضيق من أن تتسع لك .

وصدقت نبوءته فلم تتسع له بالفعل وخرج منها فأخضع المقاطعات المجاورة وهو فى بداية سن الشباب ثم قاد جيشه إلى الشرق ففتح الممالك والبلاد وهزم الفرس وامتدت فتوحاته إلى الهند وصاحبه هذا الحصان فى كل فتوحاته حتى نفق فى الهند.

ثم أصيب الاسكندر بالملاريا .. وتناوبته الغيبوبة وفى احدى نوبات صحوه سألوه ان يختار من يخلفه فى قيادة الجيش فرفض قائلا : يخلفنى من الرجال خيرهم ! ثم مات فى الثالثة والثلاثين من عمره القصير الحافل بالانتصارات والأمجاد .. والبطولات ..

وبعده بسنوات عديدة قرأ قيصر فى روما وهو فى الثلاثة والثلاثين من عمره سيرة الاسكندر فانفجر باكياً .. وسألوه عن سبب بكائه فأجاب بأن الاسكندر كان فى مثل عمره حين أتم كل فتوحاته وأعماله الباهرة ومات وأما هو فإنه لم يبدأ بعد أى عمل يخلد اسمه فى التاريخ !

ومع ان هناك عباقرة وعظماء وعلماء وفلاسفة وشعراء مجيدين طال بهم العمر وعاشوا حياة طبيعية فى أمدها , فإن هناك أيضاً عباقرة وفنانين ومبدعين كثيرين ((أشعلوا شمعة حياتهم من طرفيها )) على حد تعبير أحد النقاد الانجليز فذابت الشمعة وذوت سريعاً .

وفى تاريخ الأدب العربى قصة طريفة تفسر هذا التعبير بشكل أفضل , فلقد كان الشاعر العربى أبو تمام حاضر البديهة ويحفظ عشرات الالوف من أبيات الشعر , وقد مدح يوماً أحمد بن المعتصم فى حضور الفيلسوف الكندى بقصيدة طويلة إلى أن وصل إلى قوله فيها :

إقدام عمرو فى سماحة حاتم .

فى حلم أحنف و فى ذكاء إياس

فقاطعه الكندى قائلا : الأمير فوق ما وصفت وما زادت ان شبهته ببعض أجلاف العرب , فصمت ابو تمام قليلا ثم قال :

لا تنكروا ضربى له من دونه

مثلا شروداً فى الندى والباسِ !

فالله قد ضرب الأقل لنوره

مثلاً من المشكاة والنبراس !

وحين أخذوا القصيدة المكتوبة منه لو يجدوا فيها هذين البيتين فتعجبوا لسرعة بديهته وحدة ذكائه وقال الفيلسوف للخليفة : مهما يطلب فأعطه فإن فكره يأكل جسمه .. وهو لا يعيش كثيرا ! فولاه أحمد بن المعتصم بريد البصرة .. ولم يطل استمتاعه بالحياة فعلاً أكثر من عامين ومات فى الأربعين من عمره !

وتحققت نبوءة الكندى .. أو توقعه له .

وكثيرون هم من أكل (( فكرهم أجسامهم )) .. فلم يطل مقامهم على الأرض .. ولم تتسع حياتهم لكل ما أرادوا أو حلموا به .

فالموسيقار العبقرى شوبان مات هو أيضا فى الأربعين من عمره وهو يبصق الدم والسل ينهش صدره كالرسام الإيطالى مودليانى .. ومثله أيضا مات فى باريس غريباً عن بلده بولندا .

والموسيقار النمساوى يوهان شتراوس أعظم عازف ومؤلف لموسيقى الفالس مات فى الأربعين من عمره بعد أن كتب أكثر من 150 مقطوعة من موسيقى الفالس وحدها وقبل أن يستمتع بما حققه من شهرة .

والرسام الهولندى الشهير فان جوخ الذى تباع لوحاته الآن بملايين الدولارات مات قبل أن ينجح فى بيع لوحة واحدة من أعماله وهو فى السابعة والثلاثين من عمره ورحل عن الدنيا بعد حياة قصيرة حافلة بالآلام والمعاناة حتى لقد اعترته فى أخرها نوبات قاسية من الجنون !

ثم كم سنة عاشها أمير القصة القصيرة أنطون تشيكوف الذى أثرى الحياة والأدب العالمى بكل هذا الفهم للإنسان وآلامه وعذاباته ؟ 44 عاماً فقط لا غير ثم مات مريضاً بالسل قبل أن " يتم عمله " ويهدى للإنسانية المزيد من نفثات عبقريته .

أما الكاتب الروسى الشهير جوجول رائد الواقعية فى الأدب الروسى ومؤلف عدد كبير من المسرحيات أشهرها عندنا (( المفتش العام )) فإنه عاش أقل من تشيكوف ومات عمره 43 عاماً فقط .. ولو عاش لتضاعف أثره فى الأدب العالمى وكم طال عمر الامام محمد عبده الذى اتسع لكل ما اتسع له من طلب للعلم وجهاد ونفى وعودة لمصر ونشر للعلم ودعوة للاصلاح الدينى وتفسير وافتاء الخ ؟ لقد عاش أقل من 57 سنة ومات بالسرطان فى الإسكندرية ودفن بالقاهرة عليه رحمة الله ورضوانه .. أما ابن المقفع الذى مازال أثره فى الأدب العربى باقياُ للآن فقد قتل وعمره 35 عاماً فقط لا غير !

وكم سنة عاشها أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية بمصر وسوريا من مولده إلى مجيئه لمصر والياً من قِبل العباسيين إلى استقلاله بحكم مصر إلى ضمه لسوريا إلى حكمه ؟ 49 عاماً فقط .

بل وكم سنة عاشها نابليون بونابرت منذ ميلاده إلى صعوده من ضابط كورسيكى صغير .. إلى قنصل فرنسا .. إلى امبراطورها إلى سيد أوروبا الذى يتلاعب بعروشها وتيجانها ويوزعها على أخواته وأقاربه .. إلى اجتماع أوربا لمحاربته إلى سقوطه فى الأسر .. والنفى حتى مات بالسرطان فى جزيرة ((سانت هيلاتة))

حسيراً ؟ إن هذه الرحلة الحافلة التى شهدت كل هذه الأمجاد والأهوال لم تستغرق أكثر من 52 عاماً فقط لا غير ولا عجب فى ذلك فحساب الأيام والسنين فى حياة العظماء يختلف فيما يبدو عنه فى حياة البسطاء من أمثالنا .

أما الشعراء والأدباء والكتَاب الذين " أكل فكرهم أجسامهم " وماتوا فى سن الشباب أو قبل الكهولة فلا حصر لهم ولا عد من أبى القاسم الشابى حتى أمل دنقل وعليهم جميعا تنطبق كلمة الفيلسوف الفرنسى هرفييه : إن الإنسان يموت دائماً قبل أن يتم عمله وإن هذا هو أكثر أحزان الحياة إثارة للشجن ! .

وبعد كل هذا .. ماذا تفضل : حياة طويلة فاترة وخامدة .. أم حياة قصيرة مثيرة ..

وحافلة بالأحداث والأمجاد ؟ إذا سألتنى رأيى أجبتك أنى ككل إنسان قد دعوت ربى دائماً أن أعيش حياة هادئة آلامها محتملة .. أو فى حدود احتمالى وليس يعنينى بعد ذلك أكانت طويلة أم قصيرة ..

حافلة أم خامدة ؟ لامعة أم باهتة ؟ لأن لحظة واحدة من السعادة الحقيقة قد تعدل العمر كله .. وقد تعوضنا عن كثير مما أردنا لأنفسنا .. وعجزنا عن أن نحققه .. أو نناله فى رحلة العمر .

ومازلت أدعو .. فشاركنى الدعاء أنت أيضا .. ولا تسألنى هذا السؤال مرة أخرى.. !

عبد الوهاب مطاوع ( أرجوك لا تفهمنى )

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

البعض يقول ان الحياة لا يستطيع احد ان يفهمها و البعض يقول ان الحياة هي التى تقود الانسان و ليس العكس اعتقادا منهم بان معظم ما يحدث لنا هى عبارة عن صدف تغير مجري حياتنا من وقت الى اخر و البعض ايضا يرى ان المتعة في الحياة هي المخاطرة و رؤية الموت امام اعينهم عدة مرات و انا اري ان الحياة سواء كانت قصيرة او طويلة فيجب ان نفهم و نري الوجه الحقيقي لهاو اذا كانت الحياة صدف فهى لسبب ما وفيجب ان نستغلها