الاثنين، 9 يناير، 2012

ثورو ونداء الطبيعة

سبق لى أن اوضحت بعض الأسباب التى تجعلنى أحب أحد المؤلفين دون الآخرين . ولكن هناك حالات من الحب تتعمق قلبى وتتغلغل فى خلايا مخى بحيث أعجز عن التحليل ، فلا أصل الى الجذور التى تربطنى بأحد المؤلفين . وقصارى ما أقول عندئذ انى أحبه كما أحب اللحن الموسيقى العظيم ، أو أعجب به كما أعجب بالتمثال الرائع . وأتعلق به برباط من الحنان كما لو كان هذا المؤلف أبا أو أما .

فأنى أعجب بتولستوى مثلا لأنه ألف قصة خالدة رائعة تدعى (( أنآ كارنينا )) هى فى الذروة من الفن . ولكن حبى له لا ينبى على هذه القصة وحدها . بل أحرى أن تبعث هذه القصة فى نفسى اعجابآ بقدرته . . . ولكنى لا أحبه لأنه قادر فقط وأنما لأنه ضعيف عاجز أيضآ ، قد ارتكب أخطاء وتورط فى مشاكل لم يعرف كيف يتخلص منها . فاحساسى نحوه هو الحنان والرقة . هو عندى : بابا تولستوى ، لهذا الأخطاء والتورطات نفسها .

عاش تولستوى عيشة الفسق وهو شاب ، ثم حاول أن يكون شيخآ طاهرآ وأسرف فى معنى الطهارة حتى قال ــــ وحال أن يمارس ما كان يقول به ـــــ ان الزوج يجب ألا يتصل بزوجته الا بغية التناسل . ولكنه أخفق ، اذ كان يصارع جسده وهو فوق السبعين . ويعود من هذا الصراع خائبآ .

وقضى شبابه وهو لا يكاد يدرى أن فى هذه الدنيا أديانآ يؤمن بها الناس ويجعلون منها دستور حياتهم . حتى اذا اكتهل شرع يشتغل بالدين ويحاول الايمان ، فاذا به يتورط فى ارتباكات ذهنية وعادات سلوكية انتهت به آخر حياته الى اثنى عشر يومآ من الضلال والدمار ، ثم الموت . . .

وكان شريفآ له لقب كونت ، وعنده آلاف الأفدنة ، يستغل عشرات الفلاحين فى زراعتها . ثم انبلج له نور جديد ، فاذا به يجمع هؤلاء الفلاحين ثم يعرض عليهم أن يوزع الأرض بينهم اذ لاحق له استغلالهم . ويغادر الفلاحون منزله وفى نفس كل منهم شك أو شبهة فى سلامة عقله ، ثم تدرى عائلته بما جرى فى هذا الاجتماع فتكفه عن التصرف وتمنعه من التنازل عن أرضه ، وتستمر على الرغم منه فى استغلال الفلاحين .

وألف عشرات القصص الخالدة ، وكلها فن ومجد وحب . ملأت الدنيا موسيقى وأدخلت السعادة الى قلوب الملايين من البشر . ثم يختمر فى نفسه الايمان الجديد بأن الناس لا يحتاجون الى الفن وانما يحتاجون الى الحنان والخير والقناعة وسذاجة العيش . . فكف عن التأليف ويرفض أن يتناول قرشآ من أرباحه من هذه القصص .

ثم لا يكتفى بهذا بل يعتمد الى شراء الجلود ويصنع بيديه أحذية للفلاحين ،لأنه صنع حذاء يدفئ قدم الفلاحين خير من إخراج كتاب يجد فيه القارئ لذة فنية !

وتثور العائلة فى وجهه , وتضرب عليه حصارآ حتى لا يتورط فى عمل أرعن جديد

وكان له صديق طبيب من أولئك الرجال الذين يحابى القدر بهم بعض الناس , فهم حب وإخلاص وتضحية . وهم سعادة لأصدقائهم ونور للعقل والقلب .

وكان تولستوى إذا جاءه هذا الصديق شهق شهقة الخلاص . فهو يستقبله ويدخله غرفته ويقفل الباب . ويبقى الاثنان يتناجيان .

ولكن زوجة تولستوى لا تطيق كل هذا الحب ينحرف عنها من زوجها إلى هذا الطبيب فهى تغار وهى تحقد . ثم تنفجر , فنكتب فى مذاكراتها بأنها نظرت من صير القفل , ولا تشك فى أن بين تولستوى وبين هذا الطبيب حبآ جنسبآ شاذآ . وكلا الرجلين قد أوشك على الثمانين ... وهذا حقد الغيرة , وعمى الغيرة , وكفر الغيرة !

ويستقر فى ذهن تولستوى أنه قد فشل فى حياته , فلا هو استطاع أن يوزع الأرض على فلاحية , ولا هو استطاع أن يوزع الأرض على فلاحية , ولا هو استطاع أن يؤمن بالإيمان الساذج الذى كان ينشده بإحساسه . ولا هو قادر على أن يعيش العيش الساذج الذى قال به ودعا إليه . بل إن نفسه لتهفو حتى وهو فى هذا النسك إلى أن يؤلف قصة غرامية . وأنه مع داعواه بأن التناسل هو الغاية المفردة من التعارف الجنسى ليتقدم فى ذل إلى زوجته .

والدنيا حوله فى الام . فقر وجوع ودنس وظلم . أجل , ليس له الحق فى أن ينعم بطعام طيب أو فراش دافئ , وهو يحس أنه قد اقترب من الليل الطويل والنوم الأخير , وأنه يجب أن يتنكر الإنكار العظيم لحياته الماضية وأن يفر من الدنيا إلى ... إلى الله .

وكيف يفر إلى الله هذا الشيخ الذى بلغ الثانية والثمانين ؟

فى الساعة السادسة من صباح يوم 28 أكتوبر من عام 1910 تأتى إليه عربته التى ينتظرها بميعاد , ويحرص الحوذى على الصمت والسكون حتى لا يستيقظ أحد آخر ثم تسير به العربة إلى محطة السكة الحديدية , فينزل ويجد صديقه الطبيب فى انتظاره , ويأتى القطار فيركبان فى إحدى عربات الدرجة الثالثة .

وينزل كلاهما فى إحدى المحطات , ويسيران إلى دير حيث تستقبلهما الراهبات .

ولكن لا تمضى أيام حتى تعرف ابنه تولستوى , وهى فتاه فى السادسة والعشرين , مكانه . فتذهب إليه وتدخل الدير وتقف إلى جنب والدها . ولكنه هو يحس من هذه الزيارة أن الدنيا قد شرعت تجره إليها بعد أن تركها . فهو يستيقظ فى الرابعة من الصباح , والثلوج تكسو روسيا بأجمعها , فيفر مرة أخرى مع ابنته والطبيب .

ويحس قشعريرة تلجئه إلى يرتاح فى غرفة بإحدى محطات السكك الحديدية . وبعد أيام , بين يدى ابنته , يموت ... يموت موتآ عظيمآ بعد أن عاش حياة عظيمة .

لقد ألف تولستوى عشرات القصص الجميلة . ولكن قصة حياته أجمل بل أخلد .

إنها كانت جهادآ شاقآ وأخطاء متوالية فى سبيل الحق والشرف .

ونحن أعجز من أن ننهج هذ النهج فى الحياة , ولكن هذا العجز يزيدنا حبا له . وحياته هى رؤيا دائمة , هى دعوة إلى أن نتحرى الحق ونجرب التجارب فى العيش , فتفض العادات , والتقاليد , والعرف , إذا لم نجد أنها تلائم العيش المثمر البار .

وتجارب العيش هى فى النهاية أثمن ما يطلبه من المؤلف أو المفكر , ونحن ننتفع ونسترشد بحياة المؤلف كما ننتفع بمؤلفاته , بل ربما أكثر لأن حياة المؤلف هى تهج جديد للبشر .

وكتيرآ ما أقارن بين حياة فولتير ومؤلفاته , فأجد أن كفاحه الشخصى للتعصب الدينى قد ربى أوربا وعلمها معانى جديدة لشرف الفكر . رباها وعلمها بأكثر مما ربتها وعلمتها مؤلفاته , وكذلك الشأن فى حياة غاندى أو شقيتزر .

ذلك لأننا لسنا واثقين بأننا نعيش فى حضارتنا الراهنة الحياة الفضلى على المستوى الأرحب . ومن الحسن أن نصدم من وقت لآخر بمن يوضحون لنا الخطأ والخطل فى عيشنا الحاضر . أو على الأقل يغرسون الشك فى نفوسنا حتى لا نسرف فى عاداتنا الاجتماعية الموروثة ونتقيد بها كما لو كانت شعائر دينية . فمجتمعنا الذى نعيش فيه مثلا هو مجتمع اقتنائى يعلمنا كيف نقتنى , ويغرس فى نفوسنا عواطف الكسب والجمع والغيرة والحسد . وكتيرآ ما نسير إلى أقصى حد مع هذه العواطف فنقع فى هموم هى سموم تأكل فى نفوسنا وأجسامنا معآ , ونشقى بما نقتنى .

وقد رفض غاندى أن يعيش وفق المبادئ التى يدعو إليها هذا المجتمع فقنع من الدنيا بشمله وعنزة , وعاش سعيدآ إلى سن الثمانين تقريبآ ولعله كان يعيش أكثر لو لم يقتل . وكانت له مبادئ فى الخير والبر والإخاء والحب هى ثمرة هذا العيش الساذج , أو على الأقل كانت بعض ثمرته . . . لأننا يجب ألا ننسى أن أسلوب عيشنا " يكيف " أفكارنا ويعين أخلاقنا إلى حد بعبد , وأسلوب الاقتناء فى العيش يبعث الطمع والحسد , وأسلوب القناعة فى العيش يبعث الطمع والحسد , وأسلوب القناعة فى العيش يبعث الطمأنينة .

* * *

وإنى أذكر هنا رجلا جرب تجربة فى العيش كانت إلهاما لغاندى هو هنرى ثورو والكاتب الأمريكى . الذى كسب غاندى عنه أسلوب العيش , كما أخذ عنه شعار الثورة الهندية على الإمبراطورية البريطانية , وهو " العصيان المدنى " .

وقد كان هنرى ثورو يقصد من هذه العبارة إلى أننا نكون أحرارآ بحيث لا يربطنا المجتمع بعاداته وأهدافه وأسالبيه وقيمه , لأن لكل منا حق الاستقلال فى تنظيم عيشه وفق مبادئه الشخصية , حتى حين يخالف العرف المألوف . وقد خرج غاندى هذه العبارة تخريجآ آخر هو أن الهنود يجب ألا يتعاونوا مع الإنجليز .

ولد ثورو فى عام 1817 ومات فى سنة 1862 وقد ألف كثيرآ , ولكن ميزته أنه أدخل الطبيعة فى الأدب الأمريكى , وأثار الوجدان لجمال الريف والغابة والطير والوحش . وكان الروح التجارى والاقتنائى فى أيامه على أشده فى الولايات المتحدة . فعمد هو إلى صده , وترك المدينة وأقام فى الغابة . وكتابه " والدين " هو أثره العظيم الذى يذكر لنا فيه تجاربه وإحساساته عن هذه الحياة الفطرية التى عاشها .

وهو يقول عن تجربته هذه : " لقد أردت أن أعيش عن قصد , وأن أجابه , حقآ , عمق الحياة الأصلية فقط , كى أعرف ما يمكن أن تعلمنى هذه الحياة . حتى إذا قاربت الموت أكون واثقآ بأنى قد عشت , ولم أكن أرغب فى أن أحيا بما لم يكن أصيلا فى الحياة , لأن الحياة غالية , كما أنى

لم أكن أقصد إلى الاعتكاف ما لم يكن هذا ضروريآ , إنما أردت أن أعيش فى عمق وأن أمتص مخ الحياة . وأن أدفع الحياة إلى مأزق , وأن أصل منها إلى أن أدون ما فيها . فإذا كانت خسيسة فإنى سوف أعلن خستها للعالم . وإذا كانت سامية فإنى أريد أن أعرف هذا السمو وأجربه وأقدم عنه حسابآ " .

هذا كلام جد وعمل جد . فإننا لم نقف قط هذا الموقف من الحياة . وإنما الأنبياء وحدهم الذين وقفوه وجربوه . إذ لست تجد نبيآ إلا وله فترة من الاعتزال والاعتكاف " عاص مدنى " يحاول أن يتخلص من القيم والأوزان الاجتماعية كى يصل إلى ما يقابلها من القيم والأوزان البشرية التى تعلو على العادات والعرف . والأديب المخلص فى حاجة إلى مثل هذا الاعتزال والاعتكاف من وقت لأخر .

ولكن ثورو لم يكن يريد من فراره إلى الغابة أن يعتكف للتأمل فقط , وإنما كان يريد أن يجد ويجرب طريقة أخرى للعيش لعلها تكون أفضل من عيش المتمدنين .

لقد نشأ ثورو فى مدينة صغيرة ولكنها مع صغرها كانت تحوى جميع التأنقات التى تمتاز بها المدن , هى مدينه كونكورد فى الولايات المتحدة . وعاش ثورو فيها واحترف التعليم , ولكنه تركه للأداب . ولم يوفق كثيرآ , بل الحق أن شهرته فى أيامنا تزيد عشرات المرات على شهرته حين كان حيآ يدعو دعوته الحارة إلى الطبيعة .

وإحساس ثورو للطبيعة عميق , يدهشنا أحيانآ بعمقه . انظر إليه حين يقول : " إن الطبقة العليا من التربية التى تحتوى حذور الأعشاب تحوى من الأدوات الميكانيكة سيما هو أدق من أدوات الساعة . ومع ذلك نحن ندوسها بأقدامنا . وهذه الحركة التى تجرى فى التربة فى الظلام , وهذه الكيمياء التى تتخلل ألياف العشب قبل أن تظهر ورقة واحدة منه فوق الفتات البالى لجديرتان , لو أننا فهمنا هما , بأعظم كشف فى الطبيعة " .

ولم يكن ثورو يدعونا إلى التخصص فى دراسة الطبيعة وإنما كان يطالبنا بأن نعيش فى الطبيعة . وهو يوضح لنا أن ارتباطنا بالمجتمع أو الحرفه أو السياسة أو الحكومة أو غير ذلك من المؤسسات الاجنماعية إنما هو شئ ثانوى إلى جانب ارتباطنا بالطبيعة , بالأرض والجبل والنهر والشجر والحيوان والطائر . فيجب أن نعيش مع هذه الأشياء أو فيها . ثم يجب على الإنسان أن يكون قادرآ على أن يعيش منفردآ متوحدآ يأنس إلى الطبيعة دون الحاجة إلى مجتمع , كما يحب أن ينشد سعادته واختبارته من الطبيعه وليس من النجاح المالى أو الاجتماعى .

وهو هنا لا ينكر قيمة الصداقة بل يكبر من شأنها , ولكنها صداقة الزمالة فى الطبيعة

إن الإنسان الاجتماعى كائن صغير إزاء الإنسان الطبيعى . . الأول يعيش فى المدينة وهو محدود الاختبارات والآفاق , له هموم صغيرة تستوعب نهاره بل بعض ليله . وهو يعمل جادآ متعبآ كى يجمع ثروة أو يحقق غاية اجتماعية طول عمره . ولكن الإنسان الطبيعى لا بحتاج إلى أن يكد ويتعب إلا للحصول على طعامه وكسائه . أما سائر وقته فينقضى فى الالتصاق بالطبيعة . وهنا يصدمنا ثورو بقوله : لماذا يفرض عليها العمل سته أيام فى الأسبوع ثم يومآ من الراحة ؟ أليس العكس هو الأولى ؟ ...

وهو يعنى أننا إذا عمدنا إلى ترك التكاليف الاجتماعية الباهظة

وارتضينا بساطة العيش بين أحضان الطبيعه فإن يوما واحدآ من العمل فى الأسبوع يكفل لنا جميع حاجاتنا , أما الأيام الباقية فهى للاستمتاعات والاختبارات .

ترك ثورو مدينة كونكورد إلى بقعة نائية فى عام 1843 . وكانت سنه وققئذ لا تزيد على ست وعشرين سنة , وهناك بنى بنفسه كوخآ من الخشب . وكان قريبا منه غابة يحصل منها على الخشب الوقود وكذلك بالقرب منه بركة تحوى القليل من السمك . وكان عندما يحتاج إلى أكثر مما يحصل عليه من البركة والغابة , ويؤجر نفسه للمزارعين المجاورين ويشترى بعض حاجاته بما يكسبه من أجر عمله . وقد كلفه بناء الكوح ثمانية وعشرين دولارآ . وكان طوله 15 قدمآ وعرضه 10 أقدام , وهو يصفه بأنه يحوى من المرافق أكثر مما يحتوى المسكن العادى فى المدينة . . . .

" ولم يكن له قفل عل الباب أو ستار على النافذة , وكان جزءآ من الطبيعة بقدر ما كان جزءا من العمل البشرى " .

وهو حين يصف الطبيعة تحس كأنه قد انتشى بها كما ينتشى أحدنا بالخمر , بل كأنه قد تزوجها ويحس فيها طربآ جنسيآ قد بلغ الذروة . وهو يستخرج منها لهذا السبب الإحساسات والمعانى التى التى تخطر على بال من يعيشون فى المدن حيث معظم اللذات مصنوع . انظر إلى قوله : " الإنسان الحيوان ابن عم أشجار الصنوبر وأحجار الصخر " . " ليست الأرض التى أدوسهما هامدة ميتة . إذ هى جسم وروح . . . وليس لأمعائها الدقيقة نهاية . هنا كيان من الأنوار , من الأكباد , من الأمعاء . أليس لك أمعاء ؟ إن للطبيعة أمعاء , ثم هى أم البشرية وعندما نضع البذور فيها تتجرد ثم تنموا " .

هذا هو الانتشاء بالطبيعة . وهو مثل كل انتشاء يحوى شيئآ من الهذيان ولكنه هذيان ملهم يدل على حقاثق . وهو يقول أيضآ :

" يجب أ تصعد فوق الجبل كى تعرف العلاقة بينك وبين المادة أى بين جسمك وبين المادة , لأن جسمك يجد بيته هناك " .

" انظر إلى أصابعى وكيف أتناول وأعبث بها . أجل , إنها , هذه الأصابع , قد تكون جزءآ من قمة هذا الجبل الذى أصعد إلى قمته كى أرى أبناء عمومتى . إنه يحوى أصابع الأيدى والأقدام كما يحوى الأمعاء .

ثم يقول : " عش فى كل فصل من فصول السنة . تنفس الهواء واشرب الشراب . وتذوق الفاكهة واستسلم لها جميعآ . ولتدفعك جميع الرياح . وافتح مسامك جميعآ واستحم فى مد الطبيعة وفى أنهارها ومحيطاتها فى جميع الفصول .

" وإذا كنت تحس أنك تستقبل النهار والليل فى طرب وفرح , وإذا كانت الحياة تنقل إليك أنفاس الزهر والعشب فى أرج جميل , فأنت موفق . والطبيعة تهنئك . ولك الحق عندئذ فى أن تحس أنه قد بورك عليك " .

* * *

لم يقض هنرى ثورو عمره كله فى كوخه . إذ هو رجع بعد سنة وشهور إلى المدينة , وهو بهذا يحملنا على نفهم أن عودة البشر إلى حياة الفطرة فى الغابة لم تعد ممكنه . وإنما قصارى ما نفهمه من تجربته أنه أومأ إيماءة لنا بأن التكاليف الاجتماعية الباهظة نستطيع أن نستغنى عنها . وأن فى " الفقرالإدارى " كما سماه قيمة يجب ألا نستهين بها . فإن حياة المدينة وما فيها من هرولة وعصبية وهموم , كل هذا يمكن النجاة منه بأن نجعل شعارنآ : كيف نستغنى ؟ بدل من كيف نقتنى ؟

والولايات المتحدة بعد مائة سنة من تجربة ثورو أحوج إلى عبرته مما كانت فى عام 1851 . لأن المباراة التى يعيش فيها الأمريكيون هذه الأيام هى أقتل للنفس وأبعث للقلق والخوف مما كانت فى أيامه .

والأمريكى الذى ينبعث فى عام 1950 إلى مثل تجربة ثورو هو رجل سعيد بالمقارنة إلى المهرولين العصبيين الذين يملأون أسرة المستشفيات للأمراض العقلية .

وإنه لمن الحسن أن ينبهنا كاتب ، بإسرافه فى الحب للطبيعة ، إلى أنه ، إلى جنب الشارع والنادى وسهرات الكئول وعد النقود وشراء الأرض واقتناء الضياع أو الأسهم فى الشركات ، إلى جنب هذا توجد أرض وسماء وأشجار وزهور وأنهار وجبال ، وأن القمر يضئ فى الليل ويكسو الحقول بأشعته ، وأن النجوم تنادينا فى الظلام كى نتأملها ونتحدث اليها .

وإننا من وقت لآخر يجب أن نختلى ونستوحد ، كى نعيد الظر فى حياتنا ونسأل هل نحن نعيش مسوفين بضغط العادات الأجتماعية التى لم نفكر من قبل فى قيمتها؟ وألا يجد بنا أن نغير هذه العادات أو ننقحها بألهام الطبيعة التى تردنا إلى الأصول والجذور؟

ليست هناك تعليقات: