الخميس، 22 ديسمبر، 2011

ڨولتير محطم الخرافات

ڨولتير محطم الخرافات

يهفو الذهن إلى ذكرى ڨولتير كلما هبت على الأمة عواصف الظلام التى تقيد الحرية وتسوغ الاعتقال وتمنع الكتب وتراقب الصحف وتضع الحدود والسدود للعقول , وتنتهك النفوس البشرية بأفظع مما ينتهك الفاسق الأجساد البشرة .

ذلك لأن ڨولتير عاش من أجل الحرية . وكانت إيماءة حياته احترام الإنسان وكرامة الناس وحريتهم . ومن الحسن أن نقرأ تاريخه , ومن الأحسن أن يقرأه أولئك الذين حملوا النيابة العامة فى مصر على أن تقوم بأكثر من أربعمائة تحقيق مع الصحف فى أقل من سنتين بين سنة 1944 و 1946 , ثم بعد ذلك منعوا بعض الكتب الأوربية من الدخول إلى مصر , كما منعوا بعض المؤلفين من طبع مؤلفاتهم ونشرها .

ولد ڨولتير فى عام 1694 ومات فى عام 1778 . وتغير تاريخ أوربا بحياته , إذ نقل هذه القارة من التعصب إلى التسامح ومن التقييد إلى التحرير . وغرس بذلك شجرة الديمقراطية , وحمل على العقائد والخرافات الضارة فحطمها , كما بسط الآفاق لحكم العقول , فظهرت الحكومات المدنية العصرية .


وقد كان ڨولتير يمثل الطبقة الجديدة البازغة , طبقة الصناعيين والتجاريين الذين شرعوا يأخذون مكان النبلاء فى المجتمع الأوربى , ومن هنا كان إحساسه بضرورة الحرية واحترام الكرامة البشرية عميقاً , لأن النبلاء الإقطاعيين كانوا يستعبدون الفلاحين . وعاش ڨولتير طوال عمره وفى نفسه حزازة , فإن النبلاء استطاع أن يحبسه فى سجن البساتيل وأن يراه وهو يجلد انتقاماً منه لبضعة أبيات من الشعر ألفها عنه ڨولتير . وقد خرج من السجن وهو يبغض النبلاء ويدعو إلى إلغاء النظام الإقطاعى وسافر إلى إنجلترا وتقى بها أربع سنوات , فأعجب بشيئين هما الدستور الإنجليزى الذى ينص على أن الحكم للشعب , وأيضاً العالم الرياضى نيوتن . ولما عاد إلى فرنسا دعا إلى الأخذ بقواعد الدستور الإنجليزى فى الحكم . ولو أن الحاكمين تنبهوا فى ذلك الوقت إلى قيمة هذه الدعوة لعملوا بها . وعندئذ كانوا يتفادون بلا شك من جموح الثورة الفرنسية الكبرى .

وأسوأ ما تصاب به أمة أن يتحد الدين مع الاستبداد , وأن يتحالف الطغاة مع الكهنة , بحيث يستند الدين إلى قوة البوليس , ويستند الاستبداد إلى أساطير الدين . وهذا ما فشا فى فرنسا فى القرن الثامن عشر .فقد صدر قانون فى عام 1757 بإعدام المؤلفين الذين يهاجمون الدين .

وصحيح أن هذا القانون لم ينفذ , لأن الذين وضعوه أحسوا بالأخطار التى يستهدفون لها إذا جرءوا على تنفيذه , ولكن حركة التأليف وقفت أو كادت بسبب هذا القانون . واستمر إحراق الكتب إلى عام 1788 أى قبل الثورة بعام واحد .

ولكن ڨولتير استطاع أن يخرج العشرات من الرسائل الحرة بأسماء مستعارة أى مزورة ,كى ينجو من خطر الإعدام .

وكان فى هذه الرسائل يحطم الأساطير ويحمل على الطغيان الحكومى والكنسى , وقبل كل شيء يدعو إلى التسامح , وأن الناس إخوة ولو كانوا مؤمنين أو ملحدين , كسيحين أو مسلمين يهوداً , أو بوذبين .

ولقى ڨولتير عنتا فى دعوته إلى الحرية , وخاصة حرية العقيدة , لأن الكنيسة الكاثوليكية كانت تحالف فى أيامه الحكومة الفرنسية , وكانت تحمل الحكومة والشعب معاً على التعصب وإيذاء غير الكاثوليك .. وقد كتب ڨولتير بقلمه وأنفق من ماله كى ينقذ العائلات التى وقع بها الاضطهاد الدينى وكى يدعو إلى التسامح وحرية العقيدة .

واحتال كى يعيش وكى يرصد حياته للكفاح فى سبيل الحرية . وكان من احتياله أن اشترى أرضاً فى سويسرا وأرضاً أخرى فى فرنسا . وكانتا تتجاوران . وذلك ترقبا للاضطهاد من إحدى الحكومتين السويسرية أو الفرنسية . بحيث يستطيع الفرار إلى فرنسا إذا وجد الحملة عليه من الثانية .

وعاش على هذه الحال السنين الطويلة كى يؤدى رسالته , وهى صيانة الحرية من الوحوش الآدميين الذين كانوا يكرهون من لا يؤمن بإيمانهم .

وقد كان فى باريس شيء يسمى " برلمان " ولكنه لم يكن يمثل الشعب , ولذلك كان أعضاؤه يسيرون وينقادون إلى دعاة الاستبداد من الحكومة والكنيسة معاً . وقد عنى هذا " البرلمان " بأن يحرق قصيدة لڨولتير .

وألف ڨولتير المعجم الفلسفى , فمنعت الحكومة الفرنسية بل معظم الحكومات الأوربية , تداوله وحكم على مؤلفه بالفكر .

وشاعت لڨولتير أخيراً شهرة بأنه زعيم الحرية , فكانت تصل إليه شكاوى المضطهدين من الأحرار من جميع الأقطار يطلبون منه الدفاع والإسعاف , وكان يجمع لهما المال كى ينقذهم من حكوماتهم ومن كنائسهم . وما زلنا إلى الآن نسمع عبارة ڨولتير : " اسحقوا الخزى " . وهذا الخزى هو اضطهاد الأحرار المخالفين للكنيسة .

ومع كل ما اتهم به ڨولتير لم يكن كافراً , فإنه كان يؤمن بالله أعظم الإيمان , ولكنه كان يعتقد أن الكنيسة يجب ألا تحتكر الدين . وأننا يجب أن نكون " إلهين " قبل أن نكون مسيحيين أو يهوداً أو هندوكيين . وهو يقول :

" كلمة الاهى هى الوصف الوحيد الذى يجب أن يتصف به الإنسان , والكتاب الوحيد الذى يجب أن يقرأ هو كتاب الطبيعة . والديانة الوحيدة هى أن نعبد الله , وأن يكون لنا شرف وأمانة . وهذه الديانة الصافية الخالدة لن تكون سبباً للأذى " .

وكان ڨولتير يرى الله فى كل مخلوق , حتى قال : " إن البرغوث شيئاً من الألوهية ".

وكتب عن نفسه فى المعجم الفلسفى يقول :

"إنى أجهل كيف تكونت وكيف ولدت , وقضيت ربع حياتى وأن أجهل تماماً الأسباب لكل ما رأيت وسمعت وأحسست . وكنت ببغاء تلقنى ببغاوات أخرى . ولما حاولت أن أتقدم فى الطريق الذى لا نهاية له , لم أستطع أن أجد طريقاً معبداً ولا هدفاً معيناً , فوثبت وثبة أتأمل الأبدية ولكننى سقطت فى هوة جهلى ".

والواقع أننا حين نتأمل حياة ڨولتير نجد أن الكنيسة الكاثوليكية قد انتفعت بعداوته لها لأنها كفت عن اضطهاد المخالفين . وكان هذا الاضطهاد أكبر ما توصم به القرن الثامن عشر كما كان أكبر ما يعمل لفسادها .

وكذلك انتفعت بفصلها من الدولة , لأن اعتلاء الدين للدولة يضر الدين ويحطمه , إذ يغنيه عن القوة الروحية والأخلاق السامية بما يستمتع به من قوة بوليسية وحماية قانونية . والدين يجب أن يتجرد من أى سلطان مادى , أى حكومى أو بوليسى , حتى يستنبط قواه الروحية المستقلة ويصل إلى القلوب عفواً دون مساعدة خارجية .

وهذه هى مهمة ڨولتير التى علمها لأوربا , مهمة الحرية الفكرية وفصل الدين من الدولة .

وليس لڨولتير عبرة أو دلالة واحدة لعصرنا , وإنما له عبر ودلالات كثيرة , فإننا نفهم منه أن حرية العقل وحرية العقيدة وحرية الضمير هى أثمن ما يملكه البشر .

وأن الحكومة أو الهيئة التى تنتهك هذه الحريات ترتكب أفظع الجرائم , وهى جريمة الخيانة للروح البشرى , وعبرة أخرى نستخلصها من حياته هى أن الأديب ليس رجل القلم والحبر , وتقليب الكتب واجترار الأقوال القديمة , وإنما هو المكافح المبتكر الذى يشترك فى هموم البشر واهتمامات المفكرين دعاة التطور والرقى . وأن أدباء البرج العاجى الذين يقفون بعيداً عن معترك الحياة الاجتماعية والأخلاقية والسياسية لا قيمة لهم ولا منفعة منهم , بل هم بمثابة الجندى الفار من المعركة .

وعبرة ثالثة هى أن بؤرة الأديب شخصيته , من حيث إنه يكتب عن إحساس ووجدان بما يحس ويجد . ثم يصدر عن ذلك مفكراً للتنظيم والتوجيه , ولذلك قيل إن أسلوب الكاتب هو شخصيته أو أخلاقه . ومن المحال أن يقنعنا كاتب فاسق بضرورة الطهارة , أو كاتب يتعلق بالمستبدين وينتفع منهم بضرورة الديمقراطية .

ولقد عِشت حياتى وهنئت أيما هناء , وتعزيت أحياناً أيما عزاء , بمرافقة ڨولتير وتأمل كلماته وتتبع حياته فى أخطائها وأخطارها وتطورها .

وعرفت منه معرفة الإحساس والوجدان معاً أن حرية العقل هى قدس الأقداس فى النفس البشرية .

كانت حياة ڨولتير كفاحاً نجح فيه , ورد إلى الإنسان بعد أن كانت قد حرمته إياها الكنيسة والدولة واستطاع أن يحمل جماهير أوربا على الإيمان بالطبيعيات بدلا من الغيبيات إلى حد بعيد , كما استطاع أن يرد إلى التاريخ مكانته , وأن يجعل للتنقيب التاريخى فضل الاهتداء إلى الحق والباطل فى العقائد . ودعا إلى العقل دون العقيدة .

وأكبر لذلك من شأن " بيكون " داعية التجربة و " ديكارت " داعية العقل . وكان على وجدان برسالته التاريخية من حيث إنه رائد العصر الجديد . عصر العقل والعلم . وقد كتب فى عام 1760 إلى " هيلڨيتبوس " يقول :

" إن هذا القرن بدأ انتصار العقل "

ولقد عشت فى هذا الوطن الأسيف , مصر , نحو ثلاثين سنة من عام 1914 إلى عام 1949 فى أسر الأحكام العرفية والرقابة القلمية , وذلك كى يعيش المستعمرون من الإنجليز , والمستبدون من المصريين , وهم فى تحالف لمنع الحريات عن الشعب . وقد ألفت كتابين عن الحرية هما " حرية الفكر " وهو تاريخ للأبطال الذين كافحوا التعصب و الاستبداد والرجعية والجهل , ثم " حرية العقل فى مصر " وهو دعوة إلى إلغاء إدارة المطبوعات التى تمنع إصدار الجرائد والمجلات إلا تأدية غرامة مالية

( فى صورة تأمين ) وفى كلا الكتابين أنعام تتردد من ذكرى ڨولتير .

وقد كان ڨولتير يقول : " إنى قلما أتعمق , ولكنى واضح فى الفكرة على الدوام " .

وهذه كلمة أستطيع أن أقولها أنا أيضاً , وإذا كنت فى حياتى الأدبية قد وصلت إلى أن أختص بأسلوب , فإنى أغترف هنا بأنى لم أقصد قط إلى الهدف . وإنما كانت غايتى أن أصل إلى التعبير الجلى الذى يوضح فكرتى . وأظن أنى نجحت فى ذلك .

وعند الفرنسيين مثل يقول : " ما ليس واضحاً ليس فرنسياً " , ولهم الحق فى ذلك . وهذا الوضوح يعزى إلى التزامهم المنطق السليم الذى تعلموه من ڨولتير و أمثاله .

المصدر

كتاب هؤلاء علمونى لسلامة موسى

ليست هناك تعليقات: