الثلاثاء، 17 يناير، 2012

شارع قصر النيل

شارع قصر النيل – أشهر شوارع وسط القاهرة – يكاد يكون الشارع الوحيد الذى لم يتغير اسمه , إلا أنه فعلآ شارع له تاريخ . وصفحة من صفحات تاريخ مصر . تعالوا نروى حكاية هذا الشارع .. أقصد نطالع صفحة من صفحات كتابة تاريخ مصر .

** يعتبر القائد العظيم ابراهيم باشا – ابن محمد على الكبير – أول من فكر فى تعمير المنطقة الممتدة الآن من "كوبرى أبو العلا" شمالآ إلى ما بعد كوبرى قصر النيل جنوبآ .

عندما أمر بتمهيد تلك الآرض وردمها وتسويتها .. كجزء من تجميل الشاطئ الشرقى لنيل العاصمة..

وكجزء من اهتمام سعيد باشا رابع ولاة مصر من الأسرة العلوية بالجيش والبحرية. وكما أنشأ قلعة عسكرية فى القناطر الخيرية , أنشأ ثكنات للجيش المصرى فى منطقةقصر النيل هذه. وكانت هذه بداية أكبر حركة تعمير فى هذه المنطقة . ما المنطقة . مما لفت الانتباه إلى المنطقة الواقعة غرب القاهرة .. وهى الأساس الذى تحرك عليه إسماعيل باشا . وبعد أن تولى إسماعيل باشا حكم مصر , أمر بالتوسع فى تعمير المنطقة الممتدة من شاطئ النيل عند ثكنات الجيش إلى باب اللوق , وكلف كبير مهندسى مصر على

باشا مبارك بتحويل تلك المنطقة إلى واجهة حضارية للعاصمة فاختار 617 فدانآ للحى الجديد وكان بعضها مازال أراضى خربة تحتوى على كثبان من الأتربة وبرك للمياه وأرض سباخ, فخططها وأنشأ فيها الشوارع والحارات على خطوط مستقيمة أغلبها متاطع على زوايا قائمة ودكت شوارعها وحاراتها بالحجر الدقشوم . ونظمت على جوانبها الأرصفة . ومدت فى أرضها أنابيب المياه وأقيمت فيها أعمدة المصابيح لإنارتها بغاز الاستصباح , فأصبحت , فأصبحت كما قال على باشا مبارك "من أبهج أخطاط القاهرة وأعمرها وسكنها الأمر والأعيان"

** وبعد الانتهاء من رصف الشوارع والأرصفة قام الخديو إسماعيل بمنح الأرض للذين سوف يشيدون المبانى بشرط ألا تقل تكلفة العمارة عن 2000 جنيه – بهدف بناء عمارات كبير عصرية . وفى عام 1874 م بلغت المساحة التى شغلت بالمبانى 257فدانآ احتلت شبكة الطرق منها 30% وشغلت المبانى 13% واحتلت الباقى حدائق شاسعة تمثل الاحتياطى للتوسع العمرانى . وهكذا ظهرت شوارع : قصر النيل . سليمان باشا . قصر العينى .. وبلغ طول شارع قصر النيل مثلا 1250 مترآ وشارع الفلكى 1260 مترآ وشارع عماد الدين 1720 مترآ.

** وكجزء من خطة التعمير هذه كلف الخديو إسماعيل شركة فيف ليل الفرنسية بإنشاء كوبرى معدنى لتسهيل الوصول إلى الجزيزة الواقعة على الضفة اليسرى للنيل وتم إنشاء الكوبرى عام 1872 وتكليف 108 آلف جنية "فقط!!" وفى نفس العام أنشأت شركة انجليزية كوبرى البحر الأعمى "الجلاء حاليآ" يوصل الجزيزة بالجيزة ليكمل هذا المحور المرورى الهام . وتكلف الكوبرى 40 ألف جنية "يا بلاش".

**وبعد أن كانت شبرا هى منتزه سكان العاصمة . وبعد إنشاء كوبرى قصر النيل – الذى حمل اسم كوبرى الخديو إسماعيل – تحول الناس إلى الكوبرى الجديد وما يليه من قصور وحدائق وطرق ومناظر إلى منطقة النزهه الأولى . وخف سير المركبات التى كانت تقطع شارع شبرا عصر كل يوم للنزهه!!

**ثم أمر الخديو إسماعيل بنقل المدرسة الحربية التى أنشاها فى القناطر الخيرية إلى ثكنات قصر النيل لزيادة تعميرها .

وإذا كان الشارع الممتد من كوبرى قصر النيل إلى باب اللوق قد حمل اسم "شارع الخديو أسماعيل " فإنما كان ذلك بهدف ربط الثكنات والميدان الجديد الذى حمل أيضآ اسم إسماعيل بقصر عابدين الذى بناه الخديو ونقل إليه مقر الحكم بعد أن ظلت مصر تحكم من القلعة قرونآ عديدة .. وهو الشارع المعروف الآن شارع التحرير قبل امتداده من كوبرى الجلاء إلى الدقى ثم إلى بولاق الدكرور بعد أن يعبر منطقة المركزالقومى للبحوث .. وحمل الشارع الثانى اسم سليمان باشا الفرنساوى الضابط الذى عمل بجيش بونابرت ثم أصبح رئيسآ لاركان جيش مصر أيام محمد على باشا . . ثم شارع قصر النيل الممتد الأن من ميدان التحرير ألى شارع الجمهورية بعد أن يعبر ميدانسليمان باشا . .

"وقصر النيل" ليس مجرد شارع تم دكه بالحجر الدقشوم على يد كبير مهندسى مصر على باشا مبارك بتكليف من الخديو إسماعيل خامس حكام مصر الحديثة . وليس هو مجرد ثكنات للجيش ومدرسة حربية . . ولكنة قطعة من تاريخ مصر . . هو ثكنات للجيش وكوبرى وشارع وتخطيط عمرانى . .وهو تاريخ سياسى!!

. . فمن الجانب العسكرى تحولت ثكنات قصر النيل إلى مقر رسمى لقوات الجيش المصرى . ولعبت دورآ سياسيآ خلال أحداث الثورة العرابية . خصوصآ وأنها كانت على مرمى حجر من مقر الحكم الجديد فى قصر عابدين الذى أنشأه الخديو إسماعيل . وغير بعيد عن شارع قصر العينى بكل ما فيه وحوله من مبان عامة كانت مقرآ للنظارات , أى الوزارات , بل والمجلس النيابى منذ كان اسمه مجلس شورى القوانين , وغير بعيد عن القصور الملكية فى الجزيزة وجاردن سيتى والقور التى أقيمت حول محور ميدان لاظوغلى.

. . ولأن استيلاء أى قوات غازية على قلعة المدنية يعتبر استيلاء على البلد كلها . . فإن قوات الاحتلال البريطانى عندما وصلت إلى القاهرة يوم 14 سبتمبر 1882 بعد هزيمة العرابيين فى معركة التل الكبير . بادرت إلى احتلال ثكنات الجيش المصرى فى قصر النيل كرمز لاحتلالهم للقاهرة . . والمؤسف أن الخديو توفيق استجاب لمطلب الانجليز بحل الجيش المصرى فأصدر مرسومآ بذلك بعد خمسة أيام من احتلالهم للقاهرة , أى فى 19 سبتمبر 1882 من مخبئه . فى قصر التين و يحل الجيش وتسريح الجنود . وجاء ذلك ردآ على مقاومة الجيش لهم . وهكذا لم ينس الخديو توفيق واقعة قصر النيل فى أول فبراير 1881 عندما تجمع الضباط وقدموا عريضة لرئيس النظار . . وهى المظاهرة العسكرية التى سبقت مظاهرة قصر عابدين فى 9 سيبتمبر 1881 . وفيهما تبلورت أفكار الجبهة العرابية ضد القصر وضد الاجانب .

** وظلت ثكنات قصر النيل تحت الاحتلال البريطانى . . ثم مضى الزمان حتى جاء يوم 31 مارس 1947 عندما انسحبت منها القوات البريطانية لأخر مرة ووقف الملك فاروق يرفع علم مصر فوق ثكنات قصر النيل , وكان يرتدى بدلته العسكرية وبجواره محمود فهمى النقراشى رئيس وزراء مصر وكبار قادة الجيش المصرى . . وكان هذا اليوم مشهودآ كان يعنى جلاء الانجليز عن القاهرة

** وظلت ثكنات قصر النيل تحت الاحتلال البريطانى . . ثم مضى الزمان حتى جاء يوم 31 مارس 1947 عندما انسحبت منها القوات البريطانية لآخر مرة ووقف الملك فاروق يرفع علم مصر فوق ثكنات قصر النيل , وكان يرتدى بدلته العسكرية وبجواره محمود فهمى النقراشى وزراء مصر وكبار قادة المصرى . .

وكان هذا اليوم مشهودآ لانه كان يعنى جلاء الانجليز عن القاهرة .

** وعاد الجيش المصرى إلى ثكنات التى أنشأها الوالى سعيد باشا . . وظلت ثكنات قصر النيل فى موقعها حتى تقرر إزالتها ونقل القوات المسلحة إلى منطقة العباسية وفى نفس المعسكرات التى جلت عنها القوات البريطانية.

وتقرر هدم الثكنات لإنشاء واجهه غربية للقاهرة لتتحول هذه المنطقة التى كان يدنسها حنود الاحتلال إلى أراض أقيمت عليها مبانى جامعة الدول العربية . وفندق هيلتون النيل ومبنى الاتحاد القومى االذى بنى فى الأصل ليكون مقرآ لبلدية القاهرة , ثم تحول إلى مقر للاتحاد الاشتراكى ثم إلى مقر للحزب الوطنى الديمقراطى.

** ومع عام 1882 تم رصف شارع قصر النيل بالحجر . . ثم بالأسفلت بعد أن أصبح أشهر شارع تجارى فى القاهرة يبدأ من عند المتحف المصرى ليصل ألى ميدان سليمان باشا ثم يواصل طريقة ألى تقاطعه مع شارع ابراهيم "الجمهورية الآن" عند جامع الكيخيا.

وشهد هذا الشارع زحفا من كبار التجار فوجدنا فيه محلات اليهود مثل شالون وصيدوناوى وداود عدس وبنزيون . كما وجدنا محال الصالون الأخضر وبيع المصتوعات المصرية وعمارة الإيموبيليا أشهر عمارات العاصمة . . ومقر البنك المركزى والبنك الأهلى .. وهكذا .

** أما التمثال الذى كان مقررآ إقامتة للخديو إسماعيل فوق القاعدة التى أقيمت فى ميدان الإسماعيلية (التحرير) فقد وصل إلى الاسكندرية من إيطاليا بعد ثلاثة أيام من قيام حركة 23 يوليو وهكذا لم يكتب للخديو أن ينعم بتمثاله فى الحى الذى أنشاه : حى الإسماعيلية ! !

وأذا كان الشارع الممتد من كوبر قصر النيل إلى باب اللوق قد حمل اسم "شارع الخديو إسماعيل " فإنما كان ذلك بهدف ربط الثكنات والامتداد الجديد الذى حمل أيضا اسم إسماعيل بقصر عابدين الذى بناه الخديو ونقل أليه مقر الحكم , بعد أن ظلت تحكم من القلعة قرونا عديدة منذ بناها الناصر الدين , وهو الشارع المعروف الآن شارع التحرير فيل امتداده من كوبرى الجلاء الى الدقى . ثم يمتد الى ما بعد المركز القومى للبحوث , وحمل الشارع الثانى اسم : شارع سليمان باشا "الفرنساوى" الضابط الذى خدم بجيش بونابرت ثم أصبح رئيسا لأركان جيش مصر أيام محمد على باشا .. ثم شارع قصر النيل الممتد الآن من ميدان التحرير الى شارع الجمهورية بعد أن يعبر ميدان سليمان باشا . .

** واللحقيقة فإن محمد على باشا هو أول من عمر منطقة قصر النيل . بل كان هو وراء إطلاق هذا الاسم عندما استحضر "المعلمين من الروم" لإدخال المبانى الرومية فى الديار المصرية . وكما أنشأوا له سراية القلعة "قصر الجوهرة" وسراية شبرا , انشأوا لابنته زينب هانم سراية الأزبكية . . ثم بنوا لابنته نازلى هانم سراية على ساحل النيل هى التى هدمها سعيد باشا ليبنى محلها قشلاق قصر النيل لاقامة العساكر به , كما قال على مبارك فى خططة التوفيقية , أى أن اسم المنطقة جاء من "قصر النيل" الذى بناه محمد على لابنته هانم . . وهنا كانت بداية التسمية . .

ولامكن أن نترك الحديث عن "قصر النيل " دون حديث مفصل عن كوبرى قصر النيل . . فقد بدأ إنشاء "كوبرى " قصر النيل عام 1869 م أيام الخديو إسماعيل وكان بذلك أول كوبرى للمور أنشئ على النيل من منبعه إلى مصبه وافتتح للمرور يوم 10فبراير 1872 م وأنشأته شركة فيف ليل الفرنسية واستمر فى الخدمة 60 عاآ تقريبأ , أى إلى أول إبريل 1931 وكان طوله 406 أمتار.

ثم تقرر هدم كوبرى قصر النيل لانشاء آخر محله وطرح فى مناقصة يوم 5مارس 1930 ورست المقاولة على شركة دورمان لونج الإنجليزية بتكاليف قدرها 308250 جنيها و250مليما ! ! وهو الكوبرى الحالى الملك فؤاد فى منتصف عام 1933 م وأطلق عليه اسم والده : الخديو إسماعيل اعترافا بفضل المنشئ الأول لكوبرى قصر النيل القديم . وأصبح طول الكوبرى الجديد 382 مترآ و20 سم وعرضه 20 مترآ . وكجزء من تجميله أعيد تركيب "الأسود" الأربعة التى كانت قائمةعلى مدخل الكوبرى القديم لتكون أثرآ ناطقآ إسماعيل المنشئ الأول , ولكن على ارتفاع أقل مما كانوا عليه فى الكوبرى القديم .

** إذا كانت قواعد كوبرى قصر النيل القديم قد بنيت بالدبش العادى المحاط بطبقة من الحجر الجبرى الصلب , إلا أن الكوبرى أسس من صناديق حديدية مملوءة بالخرسانة المسلحة ودعائمة من الخرسانة العادية مكسوة بالجرانيت الوارد من أسوان وبلغ وزنه المعدنى 3360 طنآ أى ضعف الكوبرى القديم . .

وقبل أ نترك قصر النيل القديم والجديد لايفوتنا الإشارة الى أمر يراه البعض غربيآ . . ولكنه أمر واقعى هو فرض رسوم يدفعها كل من يعبر الكوبرى القديم اللذى أنشأه الخديو أسماعيل سواء من البشر أو الدواب . ومن المؤكد أن هذا أمر واقعى تتبعه الآن معظم دول العالم : فى أمريكا , وفى تركيا . وفى دبى بدولى الإمارات عند إنشا جسر المكتوم الاول على "خور دبى " . وهذه الرسوم كانت تستخدم فى صيانة الكوبرى . . فضلآ عن رد بعض تكاليف الإنشاء .

فقد نص المرسوم الذى نشرته "الوقائع المصرية" يوم 27 فبراير 1872 م بعد 17يومآ من افتتاح الكوبرى للمرو على تحصيل رسوم عبور من المارة وهو مرسوم أصدره رئيس المجلس الخصوصى إلى محافظة القاهرة .

** فقد فرض على "الجمل المحمل " قرشين رسوم عبور . والفارغ قرشا واحدا. والخيول والبغال المحملة قرشا و15 بارة . والفارغة 30 بارة . والجاموس والأبقار قرشا و15 باردة لكل واحدة . وعربات الكارو والجوز المحملة 3 قروش والفارغة قرشا و20باردةوالمفرد المحملة قرشين , والفارغة قرشا واحدا ,وعربة الكارو الحجارى الحمارىالمحملة قرشا و20باردة والفارغة 20 باردة . وكل واحدة من الغنم أو الماعز 10 بارات أما الرجال والنساء ((فارغين وشايلين)) فيدفع كل فرد 100 باردة وعربات الركوب قرشين .

محملة وقرشا للفارغة . مع إعفاء الأطفال حتى 6 سنوات المارين مع أقاربهم من دفع هذه الرسوم . .

** ولكن الغريب أن إعلان فرض هذه الرسوم ضم أشياء غربية , ربما كانت موجودة فى هذا الزمان – منذ 123 عامآ فقط – إذ تضمنت الرسوم فرض رسم عبور على النعام الصغير والكبير , والغزال . والكلاب والخنزير والحلوف والضبع والدب ويسددعن كل منها 10 فضة . . أى أن هذه الحيوانات كانت موجودة وقتها وكان دفع الرسوم عنها أمرا عاديا أو شائعا ! !

ونص المرسوم على أن هذه الرسوم تخصص اللإنفاق على لوازم الكوبرى!!تلك هى حكاية قصر النيل . . الكوبرى القديم والجديد . الذى حولوا اسمه إلى كوبر التحرير . . ثم أطلقوا عليه اسم : جمال عبد الناصر . . ولكن الاسم القديم ظل صامدآ رغم عوادى الزمن : قصر النيل لأن قرارات الشعوب أقوى من أى مراسيم حكومية !

من كتاب (( شوارع لها تاريخ )) لعباس الطرابيلى

ليست هناك تعليقات: