الأحد، 15 يناير، 2012

حفل زفاف

أنا يا سيدى شاب عشت تجربة فريدة وأود أن أضعها أمام قرائك ليستفيدوا منها مثلما استفدت من تجارب الآخرين . فقد نشأت فى اسرة ميسورة الحال .. ووالدى ضابط شرطة وصل إلى أعلى رتبها .. وهو ابن "باشا" سابق أما والدتى فسيدة مجتمعات مثقفة جدا . ولى شقيقة وشقيق يشغلان الآن وظيفتين محترمتين.. وانا الابن الأكبر لأبوى.. وقد نشأنا جمعينا فى جو أرستقراطى يهتم كثيرا بالشكليات والتقاليد وكل شئ فيه بمواعيد ونظام .. وصداقاتنا العائلية كلها من نفس المستوى..

ولأسباب لا أعرفها حتى الآن وجدت نفسى لا أميل كثيرا هذه الحياة .. ولا أجد نفسى فى صداقات الشبان والفتيات من وسطنا الاجتماعى .. فاتجهت صداقاتى كلها إلى الشبان البسطاء المكافحين مماجعلنى موضوع نقد من أفرد أسرتى الذين اتهمونى بأنى لا أحافظ على مستوى الاجتماعى ولأن أبى قد ورث عن ابيه ميراثا ضخما فلقد كنا نعيش حياة مترفة وعندما التحقت بكلية الطب كانت لى سيارة بويك كبيرة أذهب بها إلى الكلية وكثيرا ما رجوت أبى أن يستبدلها لى بسيارة صغيرة لكيلا أشعر بالحرج من زملائى وأساتذتى فكان يرفض بإصرار وكنت أتعمد تركها بعيدا نسبيا عن مبنى الكلية ..

وأثناء دراستى بالكلية ارتبطت عاطفيا بإحدى زميلاتى شدتنى إليها ببساطتها ولمست فى أعماقها حنان الدنيا فضلا عن جمالها وذكائها وكانت متفوقة وكنت أيضا متفوقا وتعاهدنا على الارتباط الأبدى باذن الله وجاء يوم التخرج ونجحنا نحن الاثنين بتقدير عال .. وجاءت اللحظة التى ينبغى أن أحول فيها حلمنا إلى حقيقة وفاتحت أسرتى برغبتى فى خطبتها ودعوتها لزيارتنا ورآها أبى وأمى وأخوتى وأعجبوا جميعا بجمالها وهدوئها وذوقها فى اختيار ملابسها ..

وبعد الزيارة سألنى أبى عن مهنة أبيها وما إن أجبته حتى انفجرت براكين الغضب فى أعماقه وهب واقفا يحطم بيديه الأكواب التى أمامه يعلن بكل إصرار ان هذا الزواج لن يتم أبدأ.. فهل تدرى لماذا ؟ لأن والد حبيبتى .. حلاق نعم حلاق وأقولها بكل فخر واعتزاز لأنه رجل شريف كافح و أدى واجبه تجاه أسرته وحقق ما لم يحققة بعض "الباشوات" فأهدى إلى الحياة ثلاثة أطباء ومهندسا معماريا وضابطا رغم انه لم ينل حظا كافيآ من التعليم.

وانحازت أمى ألى جانب أبى وانحاز معهما شقيقتى ووجدت نفسى وحدى أتساءل ما ذنبى أنا وفتاتى فى أن يحرم كل كل منا من الآخر .. وأنا الذى لم أعرف للدنيا معنى إلا بعد أن أحببتها ؟ وقررت أن أدافع عن حبى وحياتى وتوجهت إلى بيت حبيبتى وقابلت أباها .. وأعطيته صورة صادقة عن الموقف ففوجئت به بعد أن عرف بمعارضة أسرتى يرفض هو أيضا زواجى من ابنته ويقسم انه لن يسمح بذلك أبدأ لأنه لايرضى لنفسه ولا لأسرته أن يقال عنهم أنهم قد "ضحكوا على " وخطفونى من أسرتى,

وحين رأى تمسك أبنته بى أعلن بكل وضوح أنه سيتبرأ منها لو تزوجتنى على غير إرادته وإرادة أسرتى.

ووجدنا نفسينا حائرين .. أسرتى ترفض بسبب نظرة اجتماعية بالية ..وأسرة حبيبتى ترفض دفاعا عن كرامتها. وقررت بعد تفكير طويل أن أضع حدا لهذا العذاب فاصطحبت فتاتى ذات يوم ومعى صديقان إلى مكتب المأذون وأخرجنا بطاقتينا وطلبنا منه عقد زواجنا .. وحين قال لى ياسيدى قبلت زواجك على سنة الله ورسوله وعلى الصداق المسمى بيننا وعلى مذهب الامام أبى حنيفة النعمان رضى الله عنه.. انهمرت دموعى ودموعها ودموع صديقى .. وخرجنا من مكتبه زوجين أمام الله والناس لنواجه قدرنا وحدنا بلاسند إلا الله سبحانهوتعالى ولم تتأخر المتاعب طويلا فما إن علم أبى بما حدث حتى طردنى من البيت وسحب منى السيارة فخرجت من البيت أحمل حقيبة ملابسىالصغيرة وفى جيبى سبعة جنيهات هى كل مابقى معى بعد أجر المأذون. وما إن علم أبوها بما جرى حتى طردها هى أيضا فخرجت من البيت ومعها حقيبة ملابس صغيرة وأربعة جنيهات , ووجدنا نفسينا فى الشارع بلا مأوى .. وكنا فى شهر فبراير ولم يبق سوى شهر على تسلم عملنا كطبيبى امتياز حيث سيتقاضى كل منا أربعين جنيها , وكانت ليلة طردنا ليلة شديدة البرودة .. فجلسنا فى محل نحتمى داخله من الصقيع ونفكر فيما سنفعل .. وكلما مرت ساعة ولم نجد مأوى ازداد خوفنا .. حتى جاء الفرج ونجحت فى الاتصال بأحد أصدقائى واقترضت منه خمسين جنيها وذهبنا الى إحدى اللوكاندات الشعبية الرخيصة .. وحين احتوتنا الغرفة المتواضعةلأول مرة .. كان كل منا يعرف فى أعماقه أن أمامنا أياما صعبة لن يخفف منها سوى عطف كل منا على الآخر وحمايته له .. وعشنا فى هذه اللوكاندة فترة تسلمنا خلالها العمل فى المستشفى , ثم وفق الله أحد أصدقائى فى أن يجد لنا شقة من حجرتين على الطوب الأحمر فى بيت صغيرة فى زقاق ضيق بأحد الأحياء الشعبية , وكانت هدية من السماء لأن صاحبها كان فى حاجة الى نقود فقبل تأجيرها لنا بلا مقدم ولا خلو بخمسة وعشرين جنيها, وفرحنا بها فرحة كبرى وأسرعنا ننتقل إليها .. واشترينا أول أثاث عرفناه لبيتنا وكان مرتبة من الاسفنج ووسادتين ومكتبا خشبيا صغيرا وكرسيين و وابور جاز ..وبرادا وكوبين وحلتين فقط لاغير!

وفى هذا العش الهادئ عشنا حياتنا سعداء بوجودنا معا لايزعجنا فيه شئ سوى كثرة الفئران والحشرات وكانت زوجتى قوية الارادة فتعاهدنا على أن نبنى حياتنا دون مساعدة من أحد .. وكانت أيضا مدبرة فكان مبلغ الخمسة والخمسين جنيها التى تتبقى لنا بعد دفع الايجار تكفينا طوال الشهر للأكل والمواصلات ولكن بلا أى ترفيه أو شراء ملابس , وأحبنا جيراننا البسطاء .. واحببناهم وكانوا يشفقون علينا من شظف حياتنا و يتعجبون من سوء حالنا ونحن طبيبان حتى قال لى أحدهم مرة بتلقائية غربية "كنا فاكرين ان الدكاترة كلهم أغنياء لكن ياما فى الحبس مظاليم !"

وخففت عنا صداقاتهم بعض صعوبة الحياة فكانت جارتنا يعرضن خدماتهن على زوجتى بشهامة صادقة فتطلب منها جارة مثلا ملابسنا لكى تغسلها مع غسيلها لأننا طبيبان مشغولان بالعمل .. وتتطوع أخرى بشراء حاجيات البيت لها وتصر ثالثة على أن تشاركها تنظيف الشقة بهمة , وأنا أتذكر هذه الأشياء البسيطة الآن .. لأنى كثيرا ما وجدت فيه تعويضا لنا عن جفاء أهلنا وقسوتهم علينا فى هذه الآيام الصعبة رغم علمهم ظروفنا , ففى مقابل هذا العطف من الجيران البسطاء ..لم يحاول أحد من أهلنا زيارتنا أو السؤال عنا .. بل ولم يتركونا أيضا فى حالنا ففوجئت فى أحدى الليالى وأنا وزوجتى نائمين بعد يوم شاق فى العمل بأربعة وحوش يقتحمون شقتنا ويحطمون المكتب والكرسيين ويمزقون المرتبة الوحيدة التى ننام عليها وكتبنا وأوراقنا ويسبوننا بأفظع الشتائم .. بحجة أنهم يفتشون الشقة ! ثم خرجوا ورئيسهم يهددنى قائلا: أنتم لسة شوفتوا حاجة !

وخرج الرجال الآربعة .. وانحنينا نحن نلملم الاسفنج الذى تقزز من بطن المرتبة ونعيد حشوها ونخيطها .. ونجمع كتبنا الممزقة .. ونحاول اصلاح المكتب والكرسيين .. ثم غلبنا التعب فنمنا على المرتبة وقد أمسك كل منا بألآخر بقوة كأنه يحتمى به مما تخفيه له الآيام .. وبالفعل فلقد أنتابنى الاحساس بأن أبى لن يدعنا فى حالنا .. وتحققت مخاوفى حين أبلغنى صديق لى بأن أبى يدبر أن يلفق لزوجتى قضية أداب ! آن هذا ما حدث والله العظيم ولم يرجع أبى عن نيته ألى بعد أن أقسم له صديقى بأنه سيقنعنى بتطليقها راجيا منه ألا يفعل ذلك لكيلا "أعاند" وأتمسك بها أكثر لو حدث لها مكروه وأصبحت مهمة صديقى هى أن يزوره كل عدة أيام ليطلب منه الصبر .. حتى ينجح فى أقناعى بالطلاق وذلك بهدف أضاعة الوقت لعله يهدأ وينسانى قليلا .. وخلال ذلك جاءت فترة التجنيد وأمضيت عاما لا أتقاضى فيه سوى ستة جنيهات كل شهر وكنت أعمل لهذه الفترة ألف حساب لكن الله لم ينسنا فوجدت زوجتى عملا فى مستوصف قريب من البيت وأصبحت هى التى تتولى الانفاق على الآسرة..

وانتهت فترة التجنيد وخرجت من الجيش لآجد زوجتى مصممة على تسجيل الماجستير لى ولها فظننت أن عقلها قد أصابه الجنون ! فقد كانت أنتظر بفارغ الصبر انتهاء فترة التجنيد لكى نبحث عن عمل فى الخارج ونهرب بعيدأ عن قسوة الآهل وتربصهم بنا , لكنها صممت وقالت لى أننا متفوقان وقد صمدنا للضيق والشدة والمضايقات لانكمل مشوارنا العلمى ثم نحقق بعد ذلك أحلامنا .

واستجبت لاقتراحها مرغما ومعجبا بها وبقوة أرادتها فى نفس الوقت وسجلت أنا وهى للماجستير .. وبدلا من أن نستريح بعد كل ما لقيناه ..بدأنا نستعد لفترة أخرى أشد قسوة ومرارة .. لآن الماجستير يحتاج الى تكاليف والى كتب والى عناء كثير ..وبدأنا نذاكر للماجستير .. وقاسينا من الضيق والحاجة أشد مما قاسيناه فى بداية زواجنا .. ويكفى أن أقول لك أن طعامنا خلال الشهرين الاخيرين من الدارسة كان لايتجاوز الخبز والدقة والملح والماء تقريبا .وأننا كثيرا ما قاسينا الجوع فى اليالى المذاكرة الطويلة .. ولم نكن نجد ما نسكته به سوى الماء , ومازلت أذكر حتى الآن أنى أسرفت ذات ليلة فى شرب الماء لكى أتقى الجوع فأنقلبت معدتى وتقيأت وشعرت بالجوع أكثر وأكثر ولم نجد بدأ من التضحية ببضعة قروش فخرجت فى الليل أبحث عن شئ يؤكل ..ورغم ذلك كنا سعداء .. ولم نشك يوما .. ولم نندم ولم أر زوجتى مرة باكية .. أو حزينه .. أو غاضبة لأى سبب من الاسباب .. بل كنت كلما رفعت رأسى عن الكتاب .. متململا وجدتها تنظر لى بعينيها الجميلتين والابتسامة الحبيبة تغطى وجهها .. فأبتسم لها ثم أحنى رأسى مرة أخرى على الكتاب .. وقد زال ضيقى !

وكلل الله جهودنا بالنجاح فحصلنا على الماجستير فى زمن قياسى خلال عامين فقط .. لكن أزمتنا لم تنفرج بل عشنا عاما أخر بعد الماجستير نعانى من شظف العيش وننام فوق المرتبة وليس فى حياتنا أيه نسمة راحة حتى وفقنى الله بعد جهد جهيد فى الحصول على عقد عمل لى ولزوجتى فى أحدى الدول العربية ولأول مرة بعد 5 سنوات من العناء عرفت حياتنا أول لحظة راحة .. فعشنا فى شقة جميلة وعرفنا النوم على الفراش .. وعرفنا التليفزيون بعد أن كنا قد نسيناه .. وعرفنا الطعام الجيد بعد أن كنا ودعناه منذ 5 سنوات وخلال عامين كنا قد تمكنا من شراء شقة تمليك فى أحد أحياء القاهرة وأثثناها .. واشتاقت نفسى للعودة إلى بلدى بعد أن وجدنا لآنفسنا فيها مأوى كريما , لكن حبيبتى " المجنونة " خرجت على مرة أخرى يطموح جديد هو نحصل على زمالة كلية الجراحين الملكية بلندن .. وبنفس المنطق : نحن متفوقان .. وقد مضت أيام الشدة ولدنيا الأن النقود التى تسمح لنا بالانفاق على الزمالة .. الخ .. وباختصار فقد حصلنا على الزمالة من لندن بتوفيق من الله .. وبجدنا واجتهادنا وبعد الحصول عليها تعاقدنا للعمل فى دولة أخرى بمرتبين خياليين وتقدمنا فى عملنا فأصبحت مديرا فنيا للمستشفى الذى أعمل به وأصبحت زوجتى مديرة للقطاع الطبى بالشركة التى تعمل بها .. ورزقنا الله بطفلة جميلة لم أتردد فى أن أسميها باسم شريكة كفاحى وشقائى وسعادتى أى باسم زوجتى ..

وبعد 3 سنوات من الغربة ..عدنا ألى القاهرة فى إجازة .. وفى داخلى تصميم على لم أصارح به زوجتى ألا بعد وصولنا لمصر بأسبوع ..هو أن نحتفل بزفافنا الذى لم نحتفل به يوم تزوجنا منذ 8 سنوات لآن من حق حبيبتى أن ترتدى ثوب الزفاف الآبيض وصممت ونفذت وتحديت الجميع وأقمت حفل الزفاف فى نادى الشرطة ! ودعوت كل أصدقائى الذين وقفوا ألى جوارنا فى وقت الشدة .. وتصدر الحفل جيرانى البسطاء فى شقة الطوب الآحمر فرحين مندهشين ودخلت القاعة مع زوجتى بثوب الزفاف وأمامنا المشاعل .. والشموع وفرقة الزفة .. وطفلتى تجرى بين أقدام المدعوين وتضحك سعيدة وهى لاتدرى أنه حفل زفاف أبويها ! ونمت ليلتها قرير العين شاكرا لربى نعمته التى أنعمها على ..

أننى أكتب أليك الآن لأنى سعيد وراض عن كفاحى لأقول لكل إنسان ان الصبر والكفاح يحققان للانسان مايريدة لنفسه وأن على كل إنسان ألا ييأس من رحمة الله لأن لكل شدة نهاية ولكل ضيق آخر وعلينا فقط أن تؤدى وأجبنا تجاه أنفسنا ثم نسلم الأمر للخالق جل شأنه ليختار لنا مايشاء والسلام عليم ورحمة الله ..

ولكاتب هذه الرسالة أقوال :

منذ زمن طويل لم أتلق رسالة واحدة كرسالتك هذه لايطلب فيها كاتبها شيئا سوى أن يضع تجربته السعيدة أمام الآخرين ليستفيدوا. منها , ولا عجب فى ذلك لان من يكتب عن نفسه يميل به قلمه غالبا إلى النجوى وبث الهموم كأننا نردد جميعا مع المتنبى قوله:

ليت شعرى هل أقول قصيدة فلاأشتكى فيها ولا أتعتب ؟

لكنك قلت "قصيدتك" ياصديقى فلم تشك فيها ولم "تتعتتب" رغم مالقيته من شقاء فى حياتك ولذلك فلقد سعدت بها كثيرا ودهشت لحفل الزفاف المؤجل منذ 8 سنوات ولم أعجب له لأن من حق من يشقى أعظم الشقاء أن يسعد أيضا أعظم السعادة , كما لم يخف عنى معنى "مغزى" اختيارك لنادى الشرطة بالذات لاقامة هذا الحفل الغريب فيه كأنك تريد أن تبعث به إلى أبيك رسالة تقول له فيها انك قد صمدت لعدوانه عليك وكافحت ونجحت وحققت لنفسك السعادة التى أردتها باختيارك لشريكة عمرك..

والحق أن زوجتك تستحق هذا الحفل وأكثر .. لأنها من بانيات الرجال وقد دفعتك خطوات واسعة إلى الأمام بإرادتها وبصبرها وكفاحها معك وإخلاصها لك ولأنك أيضا وجدت معها جنتك الحقيقية وأنتما ترقدان فوق حشية الاسفنج فى شقة الطوب الاحمر .. وسوف تجدها معها دائما بإذن الله وسوف تحقق معها الكثير والكثير أيضا ...

وبالرغم من تقديسى دائما لمنزلة الأب واعترافى له بحقه فى أن يحجب موافقته على زواج ابنه وفقا لما يراه من اعتبارات إلا أنى فزعت من أن تصل معارضته لزواجك إلى حد استخدام الأساليب البوليسية الكريهة معك لإكراهك على الانفصال عنها ...

فلقد كان يكفيه أنه طردك من بيته وحرمك من معونته وقبض عنك يده و تركك تقاسى شظف العيش وتغالب الجوع والحرمان مع زوجتك ,نعم كان يكفيه كل ذلك ثم يتركك لتخوض تجربتك وفقا لاختيارك , أما أن يطلق عليك وحوشه ليقضوا مضجعك , ويهدد بتلفيق قضية ماسة بالشرف لزوجتك فهذا هو الجرم الذى ما كان ينبغى له أن يرتكبه فى حق ابنه أبدا ..ذلك أن الأب لايملك لابنه الرشيد فى النهاية سوى النصح والارشاد , فإن لم يمتثل لنصيحته فليدعه لحياته ولمصيره وربما كان الاقرب إلى الرحمة ولمعنى الأبوة بعد ذلك أن يمده من بعيد بمعونته حتى ولو تسمك بموقفه الرافض منه , أما أن يطارده بهذا الشكل المفزع فهذا هو التجبر وغرور السلطة بعينهما إذ ماذا كان يملك أن يفعل لو لم يكن فى موقع يسمح له بإرسال الوحش إلى بيت ابنه!

فلنترك على أية حال هذا الحديث المؤلم .. ودعنى أقل لك بعد كل ذلك أن الأيام تنسى الجراح و أن أيام الشقاء قد مضت بخيرها وشرها .. وأنتما الآن زوجان سعيدان وشريكان متفوقان ولستما فى حاجة إلى معونة أحد لكنكما فى حاجة بالتأكيد إلى أن يكون لكما أهل وأقارب , فالإنسان الوحيد الذى تشغله رحلة الكفاح عن نفسه .. يبحث حين تستقر سفينته عن أهله , يتلمس أقاربه البعدين لينتسب إاليهم ويجدد صلاته بهم أنتما لستما فى حاجة إلى البحث عن الأهل وألأقارب لأنهم موجودون والحمد الله لكن ظروف حياتكما قد باعدت بينكم , فلماذا لا تستكمل سعادتك بأن تفتح صفحة جديدة حتى مع من أساءوا إليك وظلموك؟ ولم لاتستعيد صلاتك بأسرتك وتستعيد زوجتك صلاتها بأسرتها وانتما الآن زوجان تفخر بهما أيه أسرة ! بل ولماذا لاتتيح لأسرتك فرصة أن تعرف زوجتك على حقيقتها .. وطفلتك التى لم ترها حتى الآن ؟ إنك ان فعلت فسوف يكون ذلك تأكيدا جديدا لاستقامة خلقك وعلى أنك من ذوى النفوس الكبيرة لاتؤثر فيها الصغائر ولا الأحقاد وفلم لا تفعل لكى يعرف من أساء واليك أى جرم ارتكبوه فى حقك حين باعدوك وطاردوك لغير شىء سوى لأنك قد وجدت نعيمك وسعادتك مع هذه الشريكة الرائعة!

(( حفل الزفاف )) من كتاب وجوه الحب السبعة لعبد الوهاب مطاوع

ليست هناك تعليقات: