الثلاثاء، 17 يناير، 2012

شارع قصر النيل

شارع قصر النيل – أشهر شوارع وسط القاهرة – يكاد يكون الشارع الوحيد الذى لم يتغير اسمه , إلا أنه فعلآ شارع له تاريخ . وصفحة من صفحات تاريخ مصر . تعالوا نروى حكاية هذا الشارع .. أقصد نطالع صفحة من صفحات كتابة تاريخ مصر .

** يعتبر القائد العظيم ابراهيم باشا – ابن محمد على الكبير – أول من فكر فى تعمير المنطقة الممتدة الآن من "كوبرى أبو العلا" شمالآ إلى ما بعد كوبرى قصر النيل جنوبآ .

عندما أمر بتمهيد تلك الآرض وردمها وتسويتها .. كجزء من تجميل الشاطئ الشرقى لنيل العاصمة..

وكجزء من اهتمام سعيد باشا رابع ولاة مصر من الأسرة العلوية بالجيش والبحرية. وكما أنشأ قلعة عسكرية فى القناطر الخيرية , أنشأ ثكنات للجيش المصرى فى منطقةقصر النيل هذه. وكانت هذه بداية أكبر حركة تعمير فى هذه المنطقة . ما المنطقة . مما لفت الانتباه إلى المنطقة الواقعة غرب القاهرة .. وهى الأساس الذى تحرك عليه إسماعيل باشا . وبعد أن تولى إسماعيل باشا حكم مصر , أمر بالتوسع فى تعمير المنطقة الممتدة من شاطئ النيل عند ثكنات الجيش إلى باب اللوق , وكلف كبير مهندسى مصر على

باشا مبارك بتحويل تلك المنطقة إلى واجهة حضارية للعاصمة فاختار 617 فدانآ للحى الجديد وكان بعضها مازال أراضى خربة تحتوى على كثبان من الأتربة وبرك للمياه وأرض سباخ, فخططها وأنشأ فيها الشوارع والحارات على خطوط مستقيمة أغلبها متاطع على زوايا قائمة ودكت شوارعها وحاراتها بالحجر الدقشوم . ونظمت على جوانبها الأرصفة . ومدت فى أرضها أنابيب المياه وأقيمت فيها أعمدة المصابيح لإنارتها بغاز الاستصباح , فأصبحت , فأصبحت كما قال على باشا مبارك "من أبهج أخطاط القاهرة وأعمرها وسكنها الأمر والأعيان"

** وبعد الانتهاء من رصف الشوارع والأرصفة قام الخديو إسماعيل بمنح الأرض للذين سوف يشيدون المبانى بشرط ألا تقل تكلفة العمارة عن 2000 جنيه – بهدف بناء عمارات كبير عصرية . وفى عام 1874 م بلغت المساحة التى شغلت بالمبانى 257فدانآ احتلت شبكة الطرق منها 30% وشغلت المبانى 13% واحتلت الباقى حدائق شاسعة تمثل الاحتياطى للتوسع العمرانى . وهكذا ظهرت شوارع : قصر النيل . سليمان باشا . قصر العينى .. وبلغ طول شارع قصر النيل مثلا 1250 مترآ وشارع الفلكى 1260 مترآ وشارع عماد الدين 1720 مترآ.

** وكجزء من خطة التعمير هذه كلف الخديو إسماعيل شركة فيف ليل الفرنسية بإنشاء كوبرى معدنى لتسهيل الوصول إلى الجزيزة الواقعة على الضفة اليسرى للنيل وتم إنشاء الكوبرى عام 1872 وتكليف 108 آلف جنية "فقط!!" وفى نفس العام أنشأت شركة انجليزية كوبرى البحر الأعمى "الجلاء حاليآ" يوصل الجزيزة بالجيزة ليكمل هذا المحور المرورى الهام . وتكلف الكوبرى 40 ألف جنية "يا بلاش".

**وبعد أن كانت شبرا هى منتزه سكان العاصمة . وبعد إنشاء كوبرى قصر النيل – الذى حمل اسم كوبرى الخديو إسماعيل – تحول الناس إلى الكوبرى الجديد وما يليه من قصور وحدائق وطرق ومناظر إلى منطقة النزهه الأولى . وخف سير المركبات التى كانت تقطع شارع شبرا عصر كل يوم للنزهه!!

**ثم أمر الخديو إسماعيل بنقل المدرسة الحربية التى أنشاها فى القناطر الخيرية إلى ثكنات قصر النيل لزيادة تعميرها .

وإذا كان الشارع الممتد من كوبرى قصر النيل إلى باب اللوق قد حمل اسم "شارع الخديو أسماعيل " فإنما كان ذلك بهدف ربط الثكنات والميدان الجديد الذى حمل أيضآ اسم إسماعيل بقصر عابدين الذى بناه الخديو ونقل إليه مقر الحكم بعد أن ظلت مصر تحكم من القلعة قرونآ عديدة .. وهو الشارع المعروف الآن شارع التحرير قبل امتداده من كوبرى الجلاء إلى الدقى ثم إلى بولاق الدكرور بعد أن يعبر منطقة المركزالقومى للبحوث .. وحمل الشارع الثانى اسم سليمان باشا الفرنساوى الضابط الذى عمل بجيش بونابرت ثم أصبح رئيسآ لاركان جيش مصر أيام محمد على باشا . . ثم شارع قصر النيل الممتد الأن من ميدان التحرير ألى شارع الجمهورية بعد أن يعبر ميدانسليمان باشا . .

"وقصر النيل" ليس مجرد شارع تم دكه بالحجر الدقشوم على يد كبير مهندسى مصر على باشا مبارك بتكليف من الخديو إسماعيل خامس حكام مصر الحديثة . وليس هو مجرد ثكنات للجيش ومدرسة حربية . . ولكنة قطعة من تاريخ مصر . . هو ثكنات للجيش وكوبرى وشارع وتخطيط عمرانى . .وهو تاريخ سياسى!!

. . فمن الجانب العسكرى تحولت ثكنات قصر النيل إلى مقر رسمى لقوات الجيش المصرى . ولعبت دورآ سياسيآ خلال أحداث الثورة العرابية . خصوصآ وأنها كانت على مرمى حجر من مقر الحكم الجديد فى قصر عابدين الذى أنشأه الخديو إسماعيل . وغير بعيد عن شارع قصر العينى بكل ما فيه وحوله من مبان عامة كانت مقرآ للنظارات , أى الوزارات , بل والمجلس النيابى منذ كان اسمه مجلس شورى القوانين , وغير بعيد عن القصور الملكية فى الجزيزة وجاردن سيتى والقور التى أقيمت حول محور ميدان لاظوغلى.

. . ولأن استيلاء أى قوات غازية على قلعة المدنية يعتبر استيلاء على البلد كلها . . فإن قوات الاحتلال البريطانى عندما وصلت إلى القاهرة يوم 14 سبتمبر 1882 بعد هزيمة العرابيين فى معركة التل الكبير . بادرت إلى احتلال ثكنات الجيش المصرى فى قصر النيل كرمز لاحتلالهم للقاهرة . . والمؤسف أن الخديو توفيق استجاب لمطلب الانجليز بحل الجيش المصرى فأصدر مرسومآ بذلك بعد خمسة أيام من احتلالهم للقاهرة , أى فى 19 سبتمبر 1882 من مخبئه . فى قصر التين و يحل الجيش وتسريح الجنود . وجاء ذلك ردآ على مقاومة الجيش لهم . وهكذا لم ينس الخديو توفيق واقعة قصر النيل فى أول فبراير 1881 عندما تجمع الضباط وقدموا عريضة لرئيس النظار . . وهى المظاهرة العسكرية التى سبقت مظاهرة قصر عابدين فى 9 سيبتمبر 1881 . وفيهما تبلورت أفكار الجبهة العرابية ضد القصر وضد الاجانب .

** وظلت ثكنات قصر النيل تحت الاحتلال البريطانى . . ثم مضى الزمان حتى جاء يوم 31 مارس 1947 عندما انسحبت منها القوات البريطانية لأخر مرة ووقف الملك فاروق يرفع علم مصر فوق ثكنات قصر النيل , وكان يرتدى بدلته العسكرية وبجواره محمود فهمى النقراشى رئيس وزراء مصر وكبار قادة الجيش المصرى . . وكان هذا اليوم مشهودآ كان يعنى جلاء الانجليز عن القاهرة

** وظلت ثكنات قصر النيل تحت الاحتلال البريطانى . . ثم مضى الزمان حتى جاء يوم 31 مارس 1947 عندما انسحبت منها القوات البريطانية لآخر مرة ووقف الملك فاروق يرفع علم مصر فوق ثكنات قصر النيل , وكان يرتدى بدلته العسكرية وبجواره محمود فهمى النقراشى وزراء مصر وكبار قادة المصرى . .

وكان هذا اليوم مشهودآ لانه كان يعنى جلاء الانجليز عن القاهرة .

** وعاد الجيش المصرى إلى ثكنات التى أنشأها الوالى سعيد باشا . . وظلت ثكنات قصر النيل فى موقعها حتى تقرر إزالتها ونقل القوات المسلحة إلى منطقة العباسية وفى نفس المعسكرات التى جلت عنها القوات البريطانية.

وتقرر هدم الثكنات لإنشاء واجهه غربية للقاهرة لتتحول هذه المنطقة التى كان يدنسها حنود الاحتلال إلى أراض أقيمت عليها مبانى جامعة الدول العربية . وفندق هيلتون النيل ومبنى الاتحاد القومى االذى بنى فى الأصل ليكون مقرآ لبلدية القاهرة , ثم تحول إلى مقر للاتحاد الاشتراكى ثم إلى مقر للحزب الوطنى الديمقراطى.

** ومع عام 1882 تم رصف شارع قصر النيل بالحجر . . ثم بالأسفلت بعد أن أصبح أشهر شارع تجارى فى القاهرة يبدأ من عند المتحف المصرى ليصل ألى ميدان سليمان باشا ثم يواصل طريقة ألى تقاطعه مع شارع ابراهيم "الجمهورية الآن" عند جامع الكيخيا.

وشهد هذا الشارع زحفا من كبار التجار فوجدنا فيه محلات اليهود مثل شالون وصيدوناوى وداود عدس وبنزيون . كما وجدنا محال الصالون الأخضر وبيع المصتوعات المصرية وعمارة الإيموبيليا أشهر عمارات العاصمة . . ومقر البنك المركزى والبنك الأهلى .. وهكذا .

** أما التمثال الذى كان مقررآ إقامتة للخديو إسماعيل فوق القاعدة التى أقيمت فى ميدان الإسماعيلية (التحرير) فقد وصل إلى الاسكندرية من إيطاليا بعد ثلاثة أيام من قيام حركة 23 يوليو وهكذا لم يكتب للخديو أن ينعم بتمثاله فى الحى الذى أنشاه : حى الإسماعيلية ! !

وأذا كان الشارع الممتد من كوبر قصر النيل إلى باب اللوق قد حمل اسم "شارع الخديو إسماعيل " فإنما كان ذلك بهدف ربط الثكنات والامتداد الجديد الذى حمل أيضا اسم إسماعيل بقصر عابدين الذى بناه الخديو ونقل أليه مقر الحكم , بعد أن ظلت تحكم من القلعة قرونا عديدة منذ بناها الناصر الدين , وهو الشارع المعروف الآن شارع التحرير فيل امتداده من كوبرى الجلاء الى الدقى . ثم يمتد الى ما بعد المركز القومى للبحوث , وحمل الشارع الثانى اسم : شارع سليمان باشا "الفرنساوى" الضابط الذى خدم بجيش بونابرت ثم أصبح رئيسا لأركان جيش مصر أيام محمد على باشا .. ثم شارع قصر النيل الممتد الآن من ميدان التحرير الى شارع الجمهورية بعد أن يعبر ميدان سليمان باشا . .

** واللحقيقة فإن محمد على باشا هو أول من عمر منطقة قصر النيل . بل كان هو وراء إطلاق هذا الاسم عندما استحضر "المعلمين من الروم" لإدخال المبانى الرومية فى الديار المصرية . وكما أنشأوا له سراية القلعة "قصر الجوهرة" وسراية شبرا , انشأوا لابنته زينب هانم سراية الأزبكية . . ثم بنوا لابنته نازلى هانم سراية على ساحل النيل هى التى هدمها سعيد باشا ليبنى محلها قشلاق قصر النيل لاقامة العساكر به , كما قال على مبارك فى خططة التوفيقية , أى أن اسم المنطقة جاء من "قصر النيل" الذى بناه محمد على لابنته هانم . . وهنا كانت بداية التسمية . .

ولامكن أن نترك الحديث عن "قصر النيل " دون حديث مفصل عن كوبرى قصر النيل . . فقد بدأ إنشاء "كوبرى " قصر النيل عام 1869 م أيام الخديو إسماعيل وكان بذلك أول كوبرى للمور أنشئ على النيل من منبعه إلى مصبه وافتتح للمرور يوم 10فبراير 1872 م وأنشأته شركة فيف ليل الفرنسية واستمر فى الخدمة 60 عاآ تقريبأ , أى إلى أول إبريل 1931 وكان طوله 406 أمتار.

ثم تقرر هدم كوبرى قصر النيل لانشاء آخر محله وطرح فى مناقصة يوم 5مارس 1930 ورست المقاولة على شركة دورمان لونج الإنجليزية بتكاليف قدرها 308250 جنيها و250مليما ! ! وهو الكوبرى الحالى الملك فؤاد فى منتصف عام 1933 م وأطلق عليه اسم والده : الخديو إسماعيل اعترافا بفضل المنشئ الأول لكوبرى قصر النيل القديم . وأصبح طول الكوبرى الجديد 382 مترآ و20 سم وعرضه 20 مترآ . وكجزء من تجميله أعيد تركيب "الأسود" الأربعة التى كانت قائمةعلى مدخل الكوبرى القديم لتكون أثرآ ناطقآ إسماعيل المنشئ الأول , ولكن على ارتفاع أقل مما كانوا عليه فى الكوبرى القديم .

** إذا كانت قواعد كوبرى قصر النيل القديم قد بنيت بالدبش العادى المحاط بطبقة من الحجر الجبرى الصلب , إلا أن الكوبرى أسس من صناديق حديدية مملوءة بالخرسانة المسلحة ودعائمة من الخرسانة العادية مكسوة بالجرانيت الوارد من أسوان وبلغ وزنه المعدنى 3360 طنآ أى ضعف الكوبرى القديم . .

وقبل أ نترك قصر النيل القديم والجديد لايفوتنا الإشارة الى أمر يراه البعض غربيآ . . ولكنه أمر واقعى هو فرض رسوم يدفعها كل من يعبر الكوبرى القديم اللذى أنشأه الخديو أسماعيل سواء من البشر أو الدواب . ومن المؤكد أن هذا أمر واقعى تتبعه الآن معظم دول العالم : فى أمريكا , وفى تركيا . وفى دبى بدولى الإمارات عند إنشا جسر المكتوم الاول على "خور دبى " . وهذه الرسوم كانت تستخدم فى صيانة الكوبرى . . فضلآ عن رد بعض تكاليف الإنشاء .

فقد نص المرسوم الذى نشرته "الوقائع المصرية" يوم 27 فبراير 1872 م بعد 17يومآ من افتتاح الكوبرى للمرو على تحصيل رسوم عبور من المارة وهو مرسوم أصدره رئيس المجلس الخصوصى إلى محافظة القاهرة .

** فقد فرض على "الجمل المحمل " قرشين رسوم عبور . والفارغ قرشا واحدا. والخيول والبغال المحملة قرشا و15 بارة . والفارغة 30 بارة . والجاموس والأبقار قرشا و15 باردة لكل واحدة . وعربات الكارو والجوز المحملة 3 قروش والفارغة قرشا و20باردةوالمفرد المحملة قرشين , والفارغة قرشا واحدا ,وعربة الكارو الحجارى الحمارىالمحملة قرشا و20باردة والفارغة 20 باردة . وكل واحدة من الغنم أو الماعز 10 بارات أما الرجال والنساء ((فارغين وشايلين)) فيدفع كل فرد 100 باردة وعربات الركوب قرشين .

محملة وقرشا للفارغة . مع إعفاء الأطفال حتى 6 سنوات المارين مع أقاربهم من دفع هذه الرسوم . .

** ولكن الغريب أن إعلان فرض هذه الرسوم ضم أشياء غربية , ربما كانت موجودة فى هذا الزمان – منذ 123 عامآ فقط – إذ تضمنت الرسوم فرض رسم عبور على النعام الصغير والكبير , والغزال . والكلاب والخنزير والحلوف والضبع والدب ويسددعن كل منها 10 فضة . . أى أن هذه الحيوانات كانت موجودة وقتها وكان دفع الرسوم عنها أمرا عاديا أو شائعا ! !

ونص المرسوم على أن هذه الرسوم تخصص اللإنفاق على لوازم الكوبرى!!تلك هى حكاية قصر النيل . . الكوبرى القديم والجديد . الذى حولوا اسمه إلى كوبر التحرير . . ثم أطلقوا عليه اسم : جمال عبد الناصر . . ولكن الاسم القديم ظل صامدآ رغم عوادى الزمن : قصر النيل لأن قرارات الشعوب أقوى من أى مراسيم حكومية !

من كتاب (( شوارع لها تاريخ )) لعباس الطرابيلى

الأحد، 15 يناير، 2012

حفل زفاف

أنا يا سيدى شاب عشت تجربة فريدة وأود أن أضعها أمام قرائك ليستفيدوا منها مثلما استفدت من تجارب الآخرين . فقد نشأت فى اسرة ميسورة الحال .. ووالدى ضابط شرطة وصل إلى أعلى رتبها .. وهو ابن "باشا" سابق أما والدتى فسيدة مجتمعات مثقفة جدا . ولى شقيقة وشقيق يشغلان الآن وظيفتين محترمتين.. وانا الابن الأكبر لأبوى.. وقد نشأنا جمعينا فى جو أرستقراطى يهتم كثيرا بالشكليات والتقاليد وكل شئ فيه بمواعيد ونظام .. وصداقاتنا العائلية كلها من نفس المستوى..

ولأسباب لا أعرفها حتى الآن وجدت نفسى لا أميل كثيرا هذه الحياة .. ولا أجد نفسى فى صداقات الشبان والفتيات من وسطنا الاجتماعى .. فاتجهت صداقاتى كلها إلى الشبان البسطاء المكافحين مماجعلنى موضوع نقد من أفرد أسرتى الذين اتهمونى بأنى لا أحافظ على مستوى الاجتماعى ولأن أبى قد ورث عن ابيه ميراثا ضخما فلقد كنا نعيش حياة مترفة وعندما التحقت بكلية الطب كانت لى سيارة بويك كبيرة أذهب بها إلى الكلية وكثيرا ما رجوت أبى أن يستبدلها لى بسيارة صغيرة لكيلا أشعر بالحرج من زملائى وأساتذتى فكان يرفض بإصرار وكنت أتعمد تركها بعيدا نسبيا عن مبنى الكلية ..

وأثناء دراستى بالكلية ارتبطت عاطفيا بإحدى زميلاتى شدتنى إليها ببساطتها ولمست فى أعماقها حنان الدنيا فضلا عن جمالها وذكائها وكانت متفوقة وكنت أيضا متفوقا وتعاهدنا على الارتباط الأبدى باذن الله وجاء يوم التخرج ونجحنا نحن الاثنين بتقدير عال .. وجاءت اللحظة التى ينبغى أن أحول فيها حلمنا إلى حقيقة وفاتحت أسرتى برغبتى فى خطبتها ودعوتها لزيارتنا ورآها أبى وأمى وأخوتى وأعجبوا جميعا بجمالها وهدوئها وذوقها فى اختيار ملابسها ..

وبعد الزيارة سألنى أبى عن مهنة أبيها وما إن أجبته حتى انفجرت براكين الغضب فى أعماقه وهب واقفا يحطم بيديه الأكواب التى أمامه يعلن بكل إصرار ان هذا الزواج لن يتم أبدأ.. فهل تدرى لماذا ؟ لأن والد حبيبتى .. حلاق نعم حلاق وأقولها بكل فخر واعتزاز لأنه رجل شريف كافح و أدى واجبه تجاه أسرته وحقق ما لم يحققة بعض "الباشوات" فأهدى إلى الحياة ثلاثة أطباء ومهندسا معماريا وضابطا رغم انه لم ينل حظا كافيآ من التعليم.

وانحازت أمى ألى جانب أبى وانحاز معهما شقيقتى ووجدت نفسى وحدى أتساءل ما ذنبى أنا وفتاتى فى أن يحرم كل كل منا من الآخر .. وأنا الذى لم أعرف للدنيا معنى إلا بعد أن أحببتها ؟ وقررت أن أدافع عن حبى وحياتى وتوجهت إلى بيت حبيبتى وقابلت أباها .. وأعطيته صورة صادقة عن الموقف ففوجئت به بعد أن عرف بمعارضة أسرتى يرفض هو أيضا زواجى من ابنته ويقسم انه لن يسمح بذلك أبدأ لأنه لايرضى لنفسه ولا لأسرته أن يقال عنهم أنهم قد "ضحكوا على " وخطفونى من أسرتى,

وحين رأى تمسك أبنته بى أعلن بكل وضوح أنه سيتبرأ منها لو تزوجتنى على غير إرادته وإرادة أسرتى.

ووجدنا نفسينا حائرين .. أسرتى ترفض بسبب نظرة اجتماعية بالية ..وأسرة حبيبتى ترفض دفاعا عن كرامتها. وقررت بعد تفكير طويل أن أضع حدا لهذا العذاب فاصطحبت فتاتى ذات يوم ومعى صديقان إلى مكتب المأذون وأخرجنا بطاقتينا وطلبنا منه عقد زواجنا .. وحين قال لى ياسيدى قبلت زواجك على سنة الله ورسوله وعلى الصداق المسمى بيننا وعلى مذهب الامام أبى حنيفة النعمان رضى الله عنه.. انهمرت دموعى ودموعها ودموع صديقى .. وخرجنا من مكتبه زوجين أمام الله والناس لنواجه قدرنا وحدنا بلاسند إلا الله سبحانهوتعالى ولم تتأخر المتاعب طويلا فما إن علم أبى بما حدث حتى طردنى من البيت وسحب منى السيارة فخرجت من البيت أحمل حقيبة ملابسىالصغيرة وفى جيبى سبعة جنيهات هى كل مابقى معى بعد أجر المأذون. وما إن علم أبوها بما جرى حتى طردها هى أيضا فخرجت من البيت ومعها حقيبة ملابس صغيرة وأربعة جنيهات , ووجدنا نفسينا فى الشارع بلا مأوى .. وكنا فى شهر فبراير ولم يبق سوى شهر على تسلم عملنا كطبيبى امتياز حيث سيتقاضى كل منا أربعين جنيها , وكانت ليلة طردنا ليلة شديدة البرودة .. فجلسنا فى محل نحتمى داخله من الصقيع ونفكر فيما سنفعل .. وكلما مرت ساعة ولم نجد مأوى ازداد خوفنا .. حتى جاء الفرج ونجحت فى الاتصال بأحد أصدقائى واقترضت منه خمسين جنيها وذهبنا الى إحدى اللوكاندات الشعبية الرخيصة .. وحين احتوتنا الغرفة المتواضعةلأول مرة .. كان كل منا يعرف فى أعماقه أن أمامنا أياما صعبة لن يخفف منها سوى عطف كل منا على الآخر وحمايته له .. وعشنا فى هذه اللوكاندة فترة تسلمنا خلالها العمل فى المستشفى , ثم وفق الله أحد أصدقائى فى أن يجد لنا شقة من حجرتين على الطوب الأحمر فى بيت صغيرة فى زقاق ضيق بأحد الأحياء الشعبية , وكانت هدية من السماء لأن صاحبها كان فى حاجة الى نقود فقبل تأجيرها لنا بلا مقدم ولا خلو بخمسة وعشرين جنيها, وفرحنا بها فرحة كبرى وأسرعنا ننتقل إليها .. واشترينا أول أثاث عرفناه لبيتنا وكان مرتبة من الاسفنج ووسادتين ومكتبا خشبيا صغيرا وكرسيين و وابور جاز ..وبرادا وكوبين وحلتين فقط لاغير!

وفى هذا العش الهادئ عشنا حياتنا سعداء بوجودنا معا لايزعجنا فيه شئ سوى كثرة الفئران والحشرات وكانت زوجتى قوية الارادة فتعاهدنا على أن نبنى حياتنا دون مساعدة من أحد .. وكانت أيضا مدبرة فكان مبلغ الخمسة والخمسين جنيها التى تتبقى لنا بعد دفع الايجار تكفينا طوال الشهر للأكل والمواصلات ولكن بلا أى ترفيه أو شراء ملابس , وأحبنا جيراننا البسطاء .. واحببناهم وكانوا يشفقون علينا من شظف حياتنا و يتعجبون من سوء حالنا ونحن طبيبان حتى قال لى أحدهم مرة بتلقائية غربية "كنا فاكرين ان الدكاترة كلهم أغنياء لكن ياما فى الحبس مظاليم !"

وخففت عنا صداقاتهم بعض صعوبة الحياة فكانت جارتنا يعرضن خدماتهن على زوجتى بشهامة صادقة فتطلب منها جارة مثلا ملابسنا لكى تغسلها مع غسيلها لأننا طبيبان مشغولان بالعمل .. وتتطوع أخرى بشراء حاجيات البيت لها وتصر ثالثة على أن تشاركها تنظيف الشقة بهمة , وأنا أتذكر هذه الأشياء البسيطة الآن .. لأنى كثيرا ما وجدت فيه تعويضا لنا عن جفاء أهلنا وقسوتهم علينا فى هذه الآيام الصعبة رغم علمهم ظروفنا , ففى مقابل هذا العطف من الجيران البسطاء ..لم يحاول أحد من أهلنا زيارتنا أو السؤال عنا .. بل ولم يتركونا أيضا فى حالنا ففوجئت فى أحدى الليالى وأنا وزوجتى نائمين بعد يوم شاق فى العمل بأربعة وحوش يقتحمون شقتنا ويحطمون المكتب والكرسيين ويمزقون المرتبة الوحيدة التى ننام عليها وكتبنا وأوراقنا ويسبوننا بأفظع الشتائم .. بحجة أنهم يفتشون الشقة ! ثم خرجوا ورئيسهم يهددنى قائلا: أنتم لسة شوفتوا حاجة !

وخرج الرجال الآربعة .. وانحنينا نحن نلملم الاسفنج الذى تقزز من بطن المرتبة ونعيد حشوها ونخيطها .. ونجمع كتبنا الممزقة .. ونحاول اصلاح المكتب والكرسيين .. ثم غلبنا التعب فنمنا على المرتبة وقد أمسك كل منا بألآخر بقوة كأنه يحتمى به مما تخفيه له الآيام .. وبالفعل فلقد أنتابنى الاحساس بأن أبى لن يدعنا فى حالنا .. وتحققت مخاوفى حين أبلغنى صديق لى بأن أبى يدبر أن يلفق لزوجتى قضية أداب ! آن هذا ما حدث والله العظيم ولم يرجع أبى عن نيته ألى بعد أن أقسم له صديقى بأنه سيقنعنى بتطليقها راجيا منه ألا يفعل ذلك لكيلا "أعاند" وأتمسك بها أكثر لو حدث لها مكروه وأصبحت مهمة صديقى هى أن يزوره كل عدة أيام ليطلب منه الصبر .. حتى ينجح فى أقناعى بالطلاق وذلك بهدف أضاعة الوقت لعله يهدأ وينسانى قليلا .. وخلال ذلك جاءت فترة التجنيد وأمضيت عاما لا أتقاضى فيه سوى ستة جنيهات كل شهر وكنت أعمل لهذه الفترة ألف حساب لكن الله لم ينسنا فوجدت زوجتى عملا فى مستوصف قريب من البيت وأصبحت هى التى تتولى الانفاق على الآسرة..

وانتهت فترة التجنيد وخرجت من الجيش لآجد زوجتى مصممة على تسجيل الماجستير لى ولها فظننت أن عقلها قد أصابه الجنون ! فقد كانت أنتظر بفارغ الصبر انتهاء فترة التجنيد لكى نبحث عن عمل فى الخارج ونهرب بعيدأ عن قسوة الآهل وتربصهم بنا , لكنها صممت وقالت لى أننا متفوقان وقد صمدنا للضيق والشدة والمضايقات لانكمل مشوارنا العلمى ثم نحقق بعد ذلك أحلامنا .

واستجبت لاقتراحها مرغما ومعجبا بها وبقوة أرادتها فى نفس الوقت وسجلت أنا وهى للماجستير .. وبدلا من أن نستريح بعد كل ما لقيناه ..بدأنا نستعد لفترة أخرى أشد قسوة ومرارة .. لآن الماجستير يحتاج الى تكاليف والى كتب والى عناء كثير ..وبدأنا نذاكر للماجستير .. وقاسينا من الضيق والحاجة أشد مما قاسيناه فى بداية زواجنا .. ويكفى أن أقول لك أن طعامنا خلال الشهرين الاخيرين من الدارسة كان لايتجاوز الخبز والدقة والملح والماء تقريبا .وأننا كثيرا ما قاسينا الجوع فى اليالى المذاكرة الطويلة .. ولم نكن نجد ما نسكته به سوى الماء , ومازلت أذكر حتى الآن أنى أسرفت ذات ليلة فى شرب الماء لكى أتقى الجوع فأنقلبت معدتى وتقيأت وشعرت بالجوع أكثر وأكثر ولم نجد بدأ من التضحية ببضعة قروش فخرجت فى الليل أبحث عن شئ يؤكل ..ورغم ذلك كنا سعداء .. ولم نشك يوما .. ولم نندم ولم أر زوجتى مرة باكية .. أو حزينه .. أو غاضبة لأى سبب من الاسباب .. بل كنت كلما رفعت رأسى عن الكتاب .. متململا وجدتها تنظر لى بعينيها الجميلتين والابتسامة الحبيبة تغطى وجهها .. فأبتسم لها ثم أحنى رأسى مرة أخرى على الكتاب .. وقد زال ضيقى !

وكلل الله جهودنا بالنجاح فحصلنا على الماجستير فى زمن قياسى خلال عامين فقط .. لكن أزمتنا لم تنفرج بل عشنا عاما أخر بعد الماجستير نعانى من شظف العيش وننام فوق المرتبة وليس فى حياتنا أيه نسمة راحة حتى وفقنى الله بعد جهد جهيد فى الحصول على عقد عمل لى ولزوجتى فى أحدى الدول العربية ولأول مرة بعد 5 سنوات من العناء عرفت حياتنا أول لحظة راحة .. فعشنا فى شقة جميلة وعرفنا النوم على الفراش .. وعرفنا التليفزيون بعد أن كنا قد نسيناه .. وعرفنا الطعام الجيد بعد أن كنا ودعناه منذ 5 سنوات وخلال عامين كنا قد تمكنا من شراء شقة تمليك فى أحد أحياء القاهرة وأثثناها .. واشتاقت نفسى للعودة إلى بلدى بعد أن وجدنا لآنفسنا فيها مأوى كريما , لكن حبيبتى " المجنونة " خرجت على مرة أخرى يطموح جديد هو نحصل على زمالة كلية الجراحين الملكية بلندن .. وبنفس المنطق : نحن متفوقان .. وقد مضت أيام الشدة ولدنيا الأن النقود التى تسمح لنا بالانفاق على الزمالة .. الخ .. وباختصار فقد حصلنا على الزمالة من لندن بتوفيق من الله .. وبجدنا واجتهادنا وبعد الحصول عليها تعاقدنا للعمل فى دولة أخرى بمرتبين خياليين وتقدمنا فى عملنا فأصبحت مديرا فنيا للمستشفى الذى أعمل به وأصبحت زوجتى مديرة للقطاع الطبى بالشركة التى تعمل بها .. ورزقنا الله بطفلة جميلة لم أتردد فى أن أسميها باسم شريكة كفاحى وشقائى وسعادتى أى باسم زوجتى ..

وبعد 3 سنوات من الغربة ..عدنا ألى القاهرة فى إجازة .. وفى داخلى تصميم على لم أصارح به زوجتى ألا بعد وصولنا لمصر بأسبوع ..هو أن نحتفل بزفافنا الذى لم نحتفل به يوم تزوجنا منذ 8 سنوات لآن من حق حبيبتى أن ترتدى ثوب الزفاف الآبيض وصممت ونفذت وتحديت الجميع وأقمت حفل الزفاف فى نادى الشرطة ! ودعوت كل أصدقائى الذين وقفوا ألى جوارنا فى وقت الشدة .. وتصدر الحفل جيرانى البسطاء فى شقة الطوب الآحمر فرحين مندهشين ودخلت القاعة مع زوجتى بثوب الزفاف وأمامنا المشاعل .. والشموع وفرقة الزفة .. وطفلتى تجرى بين أقدام المدعوين وتضحك سعيدة وهى لاتدرى أنه حفل زفاف أبويها ! ونمت ليلتها قرير العين شاكرا لربى نعمته التى أنعمها على ..

أننى أكتب أليك الآن لأنى سعيد وراض عن كفاحى لأقول لكل إنسان ان الصبر والكفاح يحققان للانسان مايريدة لنفسه وأن على كل إنسان ألا ييأس من رحمة الله لأن لكل شدة نهاية ولكل ضيق آخر وعلينا فقط أن تؤدى وأجبنا تجاه أنفسنا ثم نسلم الأمر للخالق جل شأنه ليختار لنا مايشاء والسلام عليم ورحمة الله ..

ولكاتب هذه الرسالة أقوال :

منذ زمن طويل لم أتلق رسالة واحدة كرسالتك هذه لايطلب فيها كاتبها شيئا سوى أن يضع تجربته السعيدة أمام الآخرين ليستفيدوا. منها , ولا عجب فى ذلك لان من يكتب عن نفسه يميل به قلمه غالبا إلى النجوى وبث الهموم كأننا نردد جميعا مع المتنبى قوله:

ليت شعرى هل أقول قصيدة فلاأشتكى فيها ولا أتعتب ؟

لكنك قلت "قصيدتك" ياصديقى فلم تشك فيها ولم "تتعتتب" رغم مالقيته من شقاء فى حياتك ولذلك فلقد سعدت بها كثيرا ودهشت لحفل الزفاف المؤجل منذ 8 سنوات ولم أعجب له لأن من حق من يشقى أعظم الشقاء أن يسعد أيضا أعظم السعادة , كما لم يخف عنى معنى "مغزى" اختيارك لنادى الشرطة بالذات لاقامة هذا الحفل الغريب فيه كأنك تريد أن تبعث به إلى أبيك رسالة تقول له فيها انك قد صمدت لعدوانه عليك وكافحت ونجحت وحققت لنفسك السعادة التى أردتها باختيارك لشريكة عمرك..

والحق أن زوجتك تستحق هذا الحفل وأكثر .. لأنها من بانيات الرجال وقد دفعتك خطوات واسعة إلى الأمام بإرادتها وبصبرها وكفاحها معك وإخلاصها لك ولأنك أيضا وجدت معها جنتك الحقيقية وأنتما ترقدان فوق حشية الاسفنج فى شقة الطوب الاحمر .. وسوف تجدها معها دائما بإذن الله وسوف تحقق معها الكثير والكثير أيضا ...

وبالرغم من تقديسى دائما لمنزلة الأب واعترافى له بحقه فى أن يحجب موافقته على زواج ابنه وفقا لما يراه من اعتبارات إلا أنى فزعت من أن تصل معارضته لزواجك إلى حد استخدام الأساليب البوليسية الكريهة معك لإكراهك على الانفصال عنها ...

فلقد كان يكفيه أنه طردك من بيته وحرمك من معونته وقبض عنك يده و تركك تقاسى شظف العيش وتغالب الجوع والحرمان مع زوجتك ,نعم كان يكفيه كل ذلك ثم يتركك لتخوض تجربتك وفقا لاختيارك , أما أن يطلق عليك وحوشه ليقضوا مضجعك , ويهدد بتلفيق قضية ماسة بالشرف لزوجتك فهذا هو الجرم الذى ما كان ينبغى له أن يرتكبه فى حق ابنه أبدا ..ذلك أن الأب لايملك لابنه الرشيد فى النهاية سوى النصح والارشاد , فإن لم يمتثل لنصيحته فليدعه لحياته ولمصيره وربما كان الاقرب إلى الرحمة ولمعنى الأبوة بعد ذلك أن يمده من بعيد بمعونته حتى ولو تسمك بموقفه الرافض منه , أما أن يطارده بهذا الشكل المفزع فهذا هو التجبر وغرور السلطة بعينهما إذ ماذا كان يملك أن يفعل لو لم يكن فى موقع يسمح له بإرسال الوحش إلى بيت ابنه!

فلنترك على أية حال هذا الحديث المؤلم .. ودعنى أقل لك بعد كل ذلك أن الأيام تنسى الجراح و أن أيام الشقاء قد مضت بخيرها وشرها .. وأنتما الآن زوجان سعيدان وشريكان متفوقان ولستما فى حاجة إلى معونة أحد لكنكما فى حاجة بالتأكيد إلى أن يكون لكما أهل وأقارب , فالإنسان الوحيد الذى تشغله رحلة الكفاح عن نفسه .. يبحث حين تستقر سفينته عن أهله , يتلمس أقاربه البعدين لينتسب إاليهم ويجدد صلاته بهم أنتما لستما فى حاجة إلى البحث عن الأهل وألأقارب لأنهم موجودون والحمد الله لكن ظروف حياتكما قد باعدت بينكم , فلماذا لا تستكمل سعادتك بأن تفتح صفحة جديدة حتى مع من أساءوا إليك وظلموك؟ ولم لاتستعيد صلاتك بأسرتك وتستعيد زوجتك صلاتها بأسرتها وانتما الآن زوجان تفخر بهما أيه أسرة ! بل ولماذا لاتتيح لأسرتك فرصة أن تعرف زوجتك على حقيقتها .. وطفلتك التى لم ترها حتى الآن ؟ إنك ان فعلت فسوف يكون ذلك تأكيدا جديدا لاستقامة خلقك وعلى أنك من ذوى النفوس الكبيرة لاتؤثر فيها الصغائر ولا الأحقاد وفلم لا تفعل لكى يعرف من أساء واليك أى جرم ارتكبوه فى حقك حين باعدوك وطاردوك لغير شىء سوى لأنك قد وجدت نعيمك وسعادتك مع هذه الشريكة الرائعة!

(( حفل الزفاف )) من كتاب وجوه الحب السبعة لعبد الوهاب مطاوع

الاثنين، 9 يناير، 2012

دستوفسكى ذكاء العاطفة

كان من حظى الحسن أن هبطت على الأدباء الروس وأنا حوالى فى العشرين , فارتفعت بذلك إلى مستوى من التقدير للفن القصصى جعلنى فى مستقبل عمرى أتأنق وأحجم عن قراءة تلك القصص الإنجليزية والفرنسية والأمريكية التى لا ترتفع إلى مقام المؤلفات العظيمة التى الفها تولستوى ودستوفسكى وجوركى وجوجول وتيشكوف وترجنيف والحق أن الانتقال من دستوفسكى الروسى إلى أرنولد بنيت الإنجليزى هو وثبه إلى الحضيض يفزع منها الإنسان . والانتقال من تولستوى إلى أى أديب آخر فى أوربا أو أمريكا هو انهيار فادح .

وأحيانآ أحاول أن أعلل حبى لهؤلاء الأدباء الروس بأن الحال الاجتماعية التى وصفوها كانت تشبه حالنا فى مصر . وأن الوسط الاجتماعى الأوربى الأمريكى كان يجرى على نظم ديمقراطية حرة لا تتيح للأوربى أن يستمرئ هذا المجتمع الروسى القديم وما حفل به من فوضى وفاقه واستسلام وركود . ولكن هذا التعطيل لإحساسنا بتفوق الأدب الروسى على الآداب الغربية لا يكفى .

وقد حدث لى ما يشبه ذلك فى الموسيقا . فإنى فى مقتبل عمرى عرفت الموسيقا الأوربية الكنيسة والمسرحية . فارتفع ذوقى إلى حد الكراهية , بل العداء , للموسيقا الشرقية الباكية الجنسية المخنثة . فلست أطيق إلى الآن أغنية أو لحنآ مصريين , بل إنى أوثر عليها " موالا " من تلك المواويل التى يغنيها فلاحونآ . فإن فيه أحيانآ من الصدق والرجولة ما يبعث على الاحترام , فى حين نشمئز من الأغانى والألحان المصرية الحاضرة لما فيها من التباكى والتخنث . ولعل ميزة أوربا علينا فى الموسيقا أنها أدخلتها الكنائس فأكسبها شيئآ يقارب حرمة الدين , وهذا فى الوقت الذى تركنا نحن فيه موسيقانا وأغانينا تعيش وترافق الرقص الذى كانت تمارسه البغايا . وقد كان رقصآ جنسيآ مخنثآ فسقطت مكانة الموسيقا والأغانى فى نفوسنا .

* * *

ولد دستوفسكى فى عام 1822 ومات فى عام 1881 . وكان مريضآ طوال حياته , تنتابه نوبات من الصرع . وقد أخرج قصته الأولى " المساكين " فى عام 1846 ووثب بها مصاف الأدباء الأفذاذ , وفى عام 1849 ألقى القبض عليه بتهمة الاشتراك فى جمعية سياسية غير مشروعة وحكم عليه بالإعدام . ثم خفف الحكم إلى النفى إلى سيبريا حيث قضى أربع سنوات و ألف عنها كتابآ بعد ذلك باسم " ذكريات من بيت الموتى " . وبعد سنوات أخرى فى الجندية والسياحة استقر على التأليف القصصى . فأخرج "الإخوة كرامازوف" وهى الآولى بين قصص العالم جميعها . وأخرج أيضآ قصة " الجريمة والعقاب " . وقد بعثتى حماسى لها أنى فى سنه 1911 ترجمت منها نصفها ثم طبعت الربع بهذا الاسم ولم أتمم الترجمة .

وتتسم قصصه بحنان ورقة يشيعان فى نفوسنا إحساس الدين . وهى جميعآ دعوة إلى الخير وحب والأطفال وحماسة الأمومة , ولذة التضحية , وارتفاع عن الدنايا المادية ونحو ذلك . وقد كانت حياته هو نفسه مليئة بهذه العواطف .

* * *

ولنذكر شيئآ مما وقع له , ولعله كان لهذه التجربة القاسية أثر فى فنه . ففى يوم 22 أبريل من عام 1849 ألقى القبض فى بطرسبورج على نحو ثلاثين شابآ كان بينهم دستوفسكى , وكانت التهمة الخطيرة التى اتهموا بها أنهم اجتمعوا واحتفلوا بميلاد الكاتب الفرنسى فورييه .

وكان فورييه مشهورا ببرنامج يقترحه لتغيير المجتمع وهو حين نقرأه هذه الأيام نجد فيه سخفآ عظيما ذلك أنه ينص على تأليف جماعات لا تزيد إحداها على 1600 شخص يعيشون معآ متعاونين مستقلين عن الجماعات الأخرى . وقيل إن هؤلاء الثلاثين المجتمعين فى بطرسبرج قد تأمروا على ترجمة كتاب فورييه هذا , ولما زاد فى هذه " المؤامرة " الخطيرة أن أحد الحاضرين قرأ خطابآ من أديب يدعى بيلنسكى إلى القصصى جوجول يونجه فيه لأنه عاد إلى الإيمان بعد الكفر .

وبعد أن قضى المتهمون سبعة أشهر فى السجن حكم عليهم بالإعدام , ثم قضوا شهرآ أخر قبل التنفيذ نصبت أعمدة فى أكبر ميدان فى بطرسبرج ثم ألبس المتهمون جلاليب بيضاء وعى رأس كل منهم طرطور وأخرجوا فى الصباح من يوم 22 ديسمبر , والثلج يغطى الأرض , ثم حضر قسيس يحمل صليبآ من الفضة ويطلب إلى كل منهم تقبيله حتى يغفر لهم العالم الأخر . ووقف ستة عشر جنديآ يحملون البنادق , وربط كل منهم إلى العمود كى يتلقى الأعيرة النارية . ثم أمر الجنود بفتح الأزندة استعدادآ لإطلاق النار . وفى هذه اللحظة فقط أعلنوا جميعهم بأن القيصر قد استبدل بحكم الإعدام الحكم بالنفى إلى سيريا أربع سنوات .وبعد هذه المأساة أو المهزلة سافروا إلى سيبريا . وقبل السفر كتب دستوفسكى إلى شقيقه هذا الخطاب التالى :

" قلعة بطرس وبولس فى 22 ديسمبر سنة 1849 " .

" أخى : صديقى الحبيب : كل شئ قد تم , وحكم على بالسجن والأشغال الشاقة أربع سنوات فى القلعه ( أظنها قلعة أورنبورج ) وبعد ذلك التحق بالجيش جنديآ . وفى هذا اليوم 21 ديسمبر نادونا إلى مكان العرض فى سميونوف وقرءوا علينا الحكم بالإعدام . ثم أمرونا بأن نلثم الصلبب . ثم كسروا سيوفنا فوق رؤوسنا , ثم نزعوا ملابسنا وألبسونا القمصان البيض . وبعد ذلك ربطوا ثلاثة منا إلى عمود كى يضربوا بالبنادق . وكان ترتيبى السادس , وكان النداء إلى ثلاثة كل مرة , وكنت أنا بذلك فى الفرقة الثانية فلم يكن باقيآ لى من الحياة سوى دقيقة , وقد ذكرتك أيها الأخ أنت وأولادك . وفى هذه الدقيقة لم أذكر سواك يا أخى وحبيبى . وعرفت عندئذ مقدار حبى لك . وقد تمكنت من أن أقبل بلاتسياف ودوروف . وكانا واقفين جانبى وودعنهما . وأخيرآ نفنخ البوف وأعلن الأمر بالرجوع , وحل الذين كانوا قد ربطوا إلى العمود .

" ثم قرئ علينا أمر صاحب الجلالة الإمبراطورية بمنحنا حياتنا , والحكم علينا بالأحكام الجديدة . ولم يفرج عن أحد سوى بالم الذى أرجع إلى الجيش برتبته السابقة ." وقد أبلغت يا أخى الحبيب بأنهم سيرسلونتى اليوم أو غدا . وقد طلبت رؤيتك , ولكنهم أخبرونى بأن هذا محال وأن كل ما يستطيعونه أن يسمحوا لى بالكتابة إليك . فأسرع وابعث لى الرد . وأنا أخشى أن يكون قد بلغك الحكم علينا بالإعدام , فقد نظرت من نافذة العربة التى حملتنا إلى ساحة الإعدام ورأيت فى الطريق جمهورآ كبيرآ , وخشيت أن يكون من رأونى قد أبلغوك وآلموك بذلك . ولكن الآن يمكنك أن تهنأ بشأنى . يا أخى . لا تظن أن الحكم فد هدنى أو غم على , فالحياة فى كل مكان هى الحياة . هى فى داخلنا وليست فيما هو خارج عنا . وسيكون قريبا منى أناس , وسأكون رجلا بينهم , وأبقى كذلك إلى الأبد . ولن يهن قلبى أو تفشل عزيمتى أمام المصائب . وهذا فى اعتقادى هو الحياة أو الواجب فى الحياة . وقد حققت ذلك وصار هذا الخاطر جزءآ من لحمى ودمى . أجل , هذا صحيح , فهذا الرأس الذى كان يبتكر ويعيش فى أسمى الحياة الفنية , والذى حقق أسمى الحاجات الروحية واعتقادها – هذا الرأس قد قطع من عاتقى ولم يبق عندى سوى الذكريات والخيالات التى أخترعها ولكنها لم تتجسم فى بعد . وإنى لأعرف أنها ستمزقنى , ولكن ما يزال باقيآ لى قلبى وهذا اللحم والدم الذى ما يزال قادرآ على الحب والألم والرغبة . ولا تنس أن هذه هى الحياة . أجل . ما زلت أرى الشمس . الآن وداعآ يا أخى ولا تحزن من أجلى .

" والآن هلم إلى الماديات . إن كتبى ( باستثناء الكتاب المقدس الذى ما يزال عندى ) وعدة أوراق من مخطوطاتى , وتخطيط درامة , وقصة ( وقصة أخرى كاملة تسمى قصة طفل ) قد أخذت كلها منى . والأرجح أنك ستتسلمها .

" وقد تركت معطفى وملابسى فيمكنك أن تأخذها . والأن يا أخى أظن أننى سأمشى مسافة طويلة وأحتاج إلى نقود . أخى الحبيب : إذا تسلمت هذا الخطاب وكان يمكنك أن تحصل عل قليل من النقود فأرسلها إلى بأسرع وقت , فأنا أحوج الآن إلى المال منى إلى الهواء ( لغرض خاص ) . وابعث لى ببضع كلمات . ثم إذا جاءت نقود من موسكو فتذكرنى ولا تنسى . وهذا كل ما أريده , وأنا أعرف أن على ديونآ ولكن ماذا أفعل !

" قبل زوجتك وأولادك واذكرنى عندهم كثيرآ ولا تجعلهم ينسوننى فلعلنا نلتقى يومآ ما . أخى , أوصيك بالعناية بنفسك وأولادك , وأن تعيش فى هدوء ويقظة , وأن تفكر فى مستقبل أولادك . عش عيشآ إيجابيآ . إنى ما شعرت قط بوفرة الحياة الروحية فى شخصى كما أشعر بها الآن وأنا مريض بالاسخربوط , ولكنى لا أبالى بذلك . أخى , لقد كابدت من الحياة الشئ الكثير حتى ما يكاد شئ يخيفنى الآن فى العالم . فليكن ما هو كائن . وسأكتب إليك فى أول فرصة , وابعث لأسرة مايكوف بتسليمانى وتحياتى . واشكر لهم اهتمامهم بحظى , وقل بضع كلمات حارة يمليها عليك قلبك ليوجينيا بتروفيا .

" فأنا أدعو لها بالسعادة وسأذكرها على الدوام بحميلها . واضغط يد نيكولاى أبولو نوفتش أبولون ما بكوف وجميع الأخرين . وابحث عن يا نوفسكى واضغط بده واشكره , وأخيرآ صافح جميع أولئك الذين لم ينسونى , وقبل أخى كوليا . واكتب خطابا إلى أخى أيدريه وأخبره بكل شئ عنى واكتب لعمي وعمتي , وافعل ذلك باسمى . وابعث لهم تحياتى واكتب لأخواتى اللواتى أدعو لهن بالسعادة .

" وربما نلتقى يا أخى فى المستقبل . لا تهمل العناية بنفسك بل عش وابق حيآ حتى نلتقى ثانيآ , فعلينآ نتعانق يومآ ونذكر شبابنا ذلك الوقت الذهبى , ذلك الشباب وتلك الآمال التى أمزفها الآن من قلبى ودمى كى أدفنها . .

"هل يمكن حقآ أنى لن أتناول القلم بيدى مرة أخرى ؟ أظن أنى سأعود إلى الكتابة بعدهذه السنوات الأربع وسأرسل لك كل شئ أكتبه إذا كتبت شيئآ . وارباه ا كم من خيالات عشت فيها أو اخترعتها ستموت وتنطفئ فى دماغى , أو تتمزق وتسير فى دمى كالسهم . أجل . إذا لم يسمح لى بالكتابة فإنى سأموت . وخير لى من ذلك أن أسجن خمس عشرة سنة ويكون فى يدى قلم .

" اكتب لى كثيرآ , واكتب بالتفصيل والإسهاب واذكر لى حقائق ... حقائق كثيرة . وفى كل خطاب اكتب لى عن شئون الأسرة مع التفصيل ومع ذكر الأشياء التافهة . ولا تنس هذا فهذه الخطابات تعيد إلى الرجاء والحياة . آه لو تعرف كيف أحيتنى وأتعستنى خطاباتك التى أرسلتها إلى وأنا فى هذه القلعة , وقد كان الشهران والنصف شهر الماضية , حين منعنا من كتابة الخطابات أو تسلمها , من أشق ما كابدته . وقد كنت مريضآ .

" ولما أهملت أنت إرسال النقود إلى ساورنى القلق من أجلك لأنى فهمت من عدم إرسالك للنقود أنك أنت فى حاجة شديدة . قبل الأطفال مرة أخرى , فإن وجوههم الحلوة الصغيرة لا تغيب عن بالى . لتكن لهم السعادة ! وأنت يا أخى كن سعيدآ . كن سعيدآ .

" ولكن لا تحزن , وبحبك الله لا تحزن لأجلى , وثق أنى لم أهن وتذكر أن الرجاء لم يهجرنى , وبعد أربع سنوات سيخفف عنى ما فعلته الأقدار وأصير جنديآ فينقضى سجنى . وتذكر أنى سأعانقك يومآ ما . لقد كنت اليوم فى قبضة الموت ثلاثة أرباع الساعة , وعشت هذه المدة بهذا الخاطر وبلغت آخر لحظة من الحياة . وها أنا ذا حى مرة أخرى .

" وإذا كان أحد يتذكرنى بسوء , أو إذا كنت قد تشاجرت مع أحد أو أسات إلى أحد , فاخبره إذا لقيته بأن ينسى الإساءه وليس فى نفسى مرارة أو نقمة على أحد , وأود لو أعانق فى هذه اللحظة كل واحد من أصدقائى السالفين . وقد شعرت اليوم بالراحة وأنا أودع أحبابى الأعزاء قبل الموت , وخطر ببالى فى هذا الوقت أن خبر إعدامى سيقتلك . ولكن استرح الآن فإنى ما زلت حيآ . وسأعيش راجبآ بأن أعانقك يومآ ما . وهذا كل شئ فى بالى الآن .

" ماذا تفعل , وبماذا فكرت اليوم , وهل عرفت شيئآ عنا ؟ وماذا كان مقدار البرد اليوم . آه ما اشوقنى إلى أن يصل خطابى هذا إليك بسرعة , وإلا فإنه إذا تأخر فإنى سأبقى أربعة أشهر بدون خطاب منك . وقد رأيت الظروف التى أرسلت فيها النقود لى مدة الشهرين الماضيين وكان عنوانى مكتوبآ عليها بخطك وسررت برؤية الخط .

" وعندما التفت إلى الماضى وأتذكر مقدار الوقت الذى ضاع عبثآ وكم منه ضاع فى الأوهام والكسل والجهل بالعيش , وكيف أنى لم أقدر الوقت حق قدره , وكيف جنيت على قلبى وذهنى , أحس بأن قلبى يسيل دمآ . أجل إن الحياة عطية وهى سعادة وكان من الممكن أن نجعل من كل دقيقة منها عصرآ طويلا من السعادة .

" آه لو عرف الشباب .. ! . والآن هذه حياتى تتغير وأنا أولد من جديد فى شكل آخر . أخى . أقسم لك أنى لن أفقد الأمل وسأصون روحى وقلبى فى الطهارة , وميلادى الجديد سيكون إلى حال أحسن من حالى الماضية . وهذا كل رجا . وهذا كل عزائى .

" إن حياة السجن قد قتلت فى جسمى مطالب اللحم التى لم تكن كلها طاهرة , ولم أكن قبل هذه الحياة أعنى بنفسى كثيرآ . أما الآن فالحرمان لا قيمة له عندى ولذلك لا تخش على من المشاق المادية وتحسب

أنها ستقتلنى . كلا , لن يحدث هذا

" وداعآ . وداعآ يا أخى . إنى أعانقك بقوة وأقبلك بحرارة , تدكرنى ولكن بلا ألم فى قلبك , فأرجوك ألا تحزن . وفى الخطاب الآتى سأخبرك بما يتم لى .. وتذكر عندئذ ما أخبرتك به : لا تعش جزافآ دائمآ . دبر حياتك ورتب حظك وتفكر فى أولادك , آه لو أراك . وداعآ .. وداعآ . إنى أنزع نفسى الآن من كل شئ أحببته . وهذا النزاع مؤلم . ومن الموجع أن أقطع نفسى نصفين وأشق قلبى شقين . وداعآ .. وداعآ . ولكنى سأراك . أنا واثق , واع أنا فلا تتغير , وأحبنى , ولا تدع ذاكرتك تبرد .. وذكرى حبك ستكون أحسن شئ فى حياتى . . ومرة أخرى وداعآ . وداعآ . وداعآ وداعآ لكم جميعآ " .

أخوك

فيدور دستوفسكى

" ولما قبض على أخذوا منى كتبآ عدة ولم يكن بينها سوى كتابين ممنوع تداولهما . فهل لك أن تطلب الباقى لنفسك . ولكن لى طلبآ . وهو مقالاته الانتقادية . هذه النسخة كنت أخذتها من أوجينيا بتروفنا . وكانت تعدها كنزآ . وقد أقرضتها لى , ولما قبض على طلبت من الشرطى أن يرد إليها الكتاب وأعطيته عنوانها . ولا أعرف إذا كان قد رده . اسأل عن ذلك لأنى لا أحب أن أحرمها هذه الذكرى . وأخيرآ وداعآ . وداعآ " .

أخوك

ف . دستوفسكى

" على الهامش : لا أعرف هل أمشى أو أركب فرسآ . وأظن أنهم سيركبون الخيول . ربما . قيل يد إميلى فيدروفنا وقبل الصغار واذكرنى عند كريافسكى . اكتب لى عن القبض عليك وحبسك والإفراج عنك "

* * *

هذا الخطاب هو جزلة حية ترشح بالدم من نفس دستوفسكى . تمتاز قصص دستوفسكى بأن أشخاصها يتسمون بالإحساس والذكاء معآ , فإن بطل " الجريمة والعقاب " طالب فى الجامعة يتأمل ويتفلسف ويتساءل ! لماذا لا يقتل هذه العجوز الثرية المقترة التى لا تزيد قيمة حياتها على حياة برغوث ؟ أليس هو أولى بثرواتها ينفقها فى الخير والنفع ؟

ثم يقتلها . ثم يعود إلى التأمل والفلسفة فيسلم نفسه فى النهاية إلى البوليس حيث يحاكم ويحكم عليه بالنفى إلى سيريا . ويرضى لنفسه هذا المصير لأنه وجد شيئآ أكبر من ذكاء العقل هو ذكاء الإحساس .

وسائر قصصه على هذا الغرار . إحساس فوق الذكاء , وخيال فوق العقل . وقصصه تكاد جميعها تخلو من العقدة إلا القليل جدآ . وفى النهاية نجد أنه يهدف إلى خيال الشعر . فهو يتناول الواقع ثم يسير به نحو آيات من الفن والشعر . وهذا هو ما يجنب أن يكون . لأن القصة هى التفسير الخيالى للحياة حيث يرتفع المؤلف بالواقع إلى المثليات فيكسب هذا الواقع دلالة جديدة . فالفتاة التى تبيع عرضها كى تنقذ إخواتها من الجوع , والسكير الفانى الذى يتعلق بالدين ولا يزال يؤمل الآمال , والراهب الذى يحب ولكنه لايسقط , والشاب الذى يملآ الشرف صدره فيذهب إلى أحد الأثرياء ويعرض عليه فى غرارة وسذاجة مشروعآ للخير فلا يجد سوى الاستهزاء , والأبله الذى يؤمن بالعلم فيرتكب جريمة الأغتيال استنادآ إلى العلم ... وهذا يذكرنا بالبله العلماء الذين اخترعوا القنبلة الذرية !

كل هذا يقع فى قصص دستوفسكى . وهو بفرط حنانه وجمال خياله قد يناقض العقل والمنطق , ولكن كما كان يناقضه غاندى أو تولستوى ... وقد كسبت من دستوفسكى أكثر مما كسبت من غيره , وهو ذا الإحساس الأدبى الذى لا يختلف من الإحساس الدينى أو الموسيقى ... وذلك أننا إزاء الدين والأدب والموسيقا لا " نعرف " وإنما نحس . وقد قلت فى أول هذا الفصل إن هبوطى المبكر على القصصيين الروس قد جعلنى أستصغر شأن الأدباء الأوربيين والحق أنى قرأت برنارد شو , وولز , وديكنز , وأنا طول فرانس , وأندرية جيد , كثيرآ غيرهم فكان تقديرى لهم اجتماعيا أكثر مما كان أدبيا . وقد وجدت عندهم الرأى والمعرفه أكثر مما وجدت الفن والإحساس . وعندما أتامل هؤلاء الأدباء الروس جميعهم , حتى مكسيم جوركى , أجد أنهم ينشدون الدين , فإن الإحساس الدينى البشرى فى هذا الكاتب الأخير على الرغم من إلحاده كبير جدآ . وقد استطاع دستوفسكى وتولستوى أن يجعلا المسيحية دينآ وأدبآ معآ , بل إنهما أبرزها كهنة هذه الديانة أنفسهم .

كان دستوفسكى يكره الشبان الثائرين على القيصر , وكثيرآ ما نجد فى قصصه ثاثرآ أو أكثر يستهزئ بأفكارهم ويسخر من عقائدهم . ولكن كراهيته لهم لم تكن تستند إلى حبه للنظام الاستبدادى الذى كان يسود حكومه القيصر ويوجهها , وإنما كان يكره أوربا أيضآ لهذا السبب . وقد دعا إلى مقاطعة الثقافه الأوربية فى الوقت الذى كان يدعو فيه تورجنيف إلى اعتناقها .

وعندما نتعمق أقوال دستوفسكى لا نتمالك الإحساس بأنه يكره العلوم المادية جميعها ويكره الحركات الاجتماعيه الارتقائيه القائمة عليها , وأن فى نفسه شوقا ملحا إلى أن يعيش الناس فى إيمان بالله قانعين بكلمات الإنجيل التى يجب أن تكون الأساس الذى تنبنى عليه الأخلاق .

وقد عجز دستوفسكى عن أن يفطن للحقيقة الأوربية البازغة وهى أن الأوربين قد شرعوا مذ أوائل القرن التاسع عشر فى استبدال الرؤيا البشرية للرقى والأخلاق والدين برؤيا الكنيسة . وأن الإحساس الدينى البشرى الجديد , على الرغم من أنه لا يزال ضعيفآ , يجد أنصارآ أقوياء يسلكون فى حماسه وحب للبشر ويضحون للإنسانية .

ولكنه فطن إلى أن علمآ بلا دين هو دمار بشرى عام . بل نستطيع أن نقول إنه بصر قوة العلم الطاغية فى القنبلة الذرية التى يخرج يها طيار يشرب كأسا من الكونياك فى نزق ومجانه ثم يقتل ثمانين ألف إنسان فى ثانية ويعود ضاحكآ إلى معسكره كما حدث فى هيروشيما فى أغسطس من عام 1945 .

بعد أن قضى دستوفسكى مدة عقوبته فى سييريا وأفرج عنه كتب إلى السيدة فون ويسين خطابا جاء فيه :

" ... ومع ذلك فإن الله يمتعنى أحيانا بلحظات من الهدوء الكامل . وفى هذه اللحظات أجد الإيمان الذى يتجلى لى فيه كل شئ فى وضوح وقداسة . وإيمانى هذا فى غاية البساطة , وهو أنى أعتقد أنه ليس هناك ما هو أروع وأحب , وأعقل , وأشجع , وأكمل , من المسيح . وليس هذا فقط بل إنى لأقول لنفسى فى إحساس المحب الغيور إنه لا يمكن أن يكون هناك شئ . أكثر من هذا , وهو أنه لو أن أحدآ قال لى :

المسيح يجافى الحق , ولو أن هذا القول كان صحيحآ , لأثرت البقاء مع المسيح على التزام الحق " .

وقصص دستوفسكى جميعآ تنشد الأيمان الذى يستطيع أن يستقر به الأنسان على هذه الدنيا حتى ولو كان هذا الأيمان يخالف منطق العيش وأسلوب البحث العلمى .

وقد وجد دستوفسكى حافزآ عظيمآ للاعتماد على الايمان ،هو هذا الاختبار المؤلم حين وقف أمام الجنود ينتظر اطلاق النار . فانه بقى طوال عمره بعد ذلك ينظر الى الحياة من موقف الموت ، وهو موقف جدير بأن يغير النظرة والنبرة للحياة معآ . وواضح انه لم ينسه بتاتآ فى كل ما كتب .

وأكاد هنا أقول ان الدين ليس شيئآ آخر سوى النظر الى الحياة من موقف الموت . فأن الموت اكبر حقيقة بشرية .

وهو عندما نتأمله نجد انه يغير القيم والاوزان ويحولها من التقدير اللاجماعى الى التقدير البشرى .

فنحن فى هرولة الحياة الاجتماعية نتعب ونلهث لآجل الثراء أو الوجاهة أو ننساق فى أنانية بشعة لا نبالى مصالح الغير ولا نرحم من ندوسه فى سبيل الاقتناء أو التغلب . وكلنا على هذه الحال بدرجات متفاوتة ، ولكن فكرة الموت تنقدح فجأة فى أذهاننا فنقف فى طريق الحاة ونتساءل عن نهايته . وهذا وجدان أكبر الوجدان بالحياة الى تتخلص عندئذ من ملابساتها الاجتماعية . وعندئذ نحس كما أحس دستوفسكى ، بل كما يعلم ويكرر فى جيمع قصصه ، اننا نحن بنو البشر كيان واحد وقد تعددت اجزاؤه وانفصلت ، ولكن انفصالها لم يمنع بينها التراحم والحب والحنان . فكلنا عندئذ ، بعد تأمل الموت ، أب وأم وأخ لآبناء البشر جميعآ .

وهذا هو احساس المسيح ،وغاندى ، وتولستوى ، بل فولتير وروسو وشفستزر . بل كل انسان استطاع ان يقف عن هرولته الاجتماعية ويتامل حقيقة الموت . اجل ان تأمل الموت هو كشف دينى . كأنى

- حين اوقن أنى فى احدى اللحظات سأفارق هذا العالم فلا يبقى لى فيه جسم او اسم أو ذكرى ــــ لا أسأل عندئذ عن هذا الرجل هل هو باشا او بك ؟ وثرى أو فقير ؟ هل يملك صيغة أو أتومبيلا أو قصر ؟وانما أسأل عن ميزاته الانسانية . بل انى لاهتم به وأتأمله كثيرآ عندما اعرف انه يحب الزهور ، ويحنو على الاطفال ، ويفرح لرؤية الشفق ، وتلتمع فى ذهنه أشعة الذكاء وشهوة الحرية ويحس قرابته للحيوان بل للنبات . أن يقيننا بالانعدام بعد الموت يزيدنا وجدانآ بالحياة . وهذا هو احساسنا عندما نقرأ دشتوفسكى ، فان الحياة تصخب حولنا وتكاد تتجمع فى بركان تحتبس فيه العواطف ثم تنفجر .

ومع أن القارئ لقصصه يحس من وقت لآخر ان ايمانه بالله يتزعزع ، هنا وهناك ، فان اصراره على الايمان يتكرر فى لهجة التأكيد والغضب من المنطق العلمى وتفشى المادية الأوربية . فهل نستطيع أن نفسر ذلك بأن رهبه الموت حين وقف لتلقى النار وقد حملته ايضآ على التشبث بالايمان فرارآ من معانى القلق والشك والخوف ، وجميعها من معانى الموت .

وقد يكون ذلك ، ولكن هذا الايمان قد جعل قصصه تذوب ،رحمة وحنانآ واخاء وبرآ حتى لنحس ونحن نقرأها هذه الفضائل تسرى فى كياننا، كما لو كانت بلسما ، وترفعنا فوق أنفسنا .

* *

· لا ننمالك ونحن نقرأ دستوفسكى أن نقارن بينه وبين نقيضه نيتشه .

وقد عرف داعية القوة وعدم المسيحية داعية الرحمة والمسيحى الأول من إحدى قصصه . والعجب أننا على الرغم من هذا التناقض بينهما نجد آشتراكآ فى الأسلوب الفكرى ، حتى لقد أحب نيتشه دستوفسكى وقال عنه : هو الانسان الوحيد الذى علمنى شيئآ عن السيكلوجية .

وهما يشتركان فى الكراهة للحضارة العصرية ، ولكن لسببين متناقضين . فان دستوفسكى يكره أوربا لآنها تركت الانجيل والمسيح ، ونيتشه يكرهها لآنها اعتنقهما . فالأخلاق العامة فى أوربا تحولت فى رأى دستوفسكى الى أخلاق المادية العلمية والمباراة الاقتصادية والعبد عن الاخاء والرحمة .

ونيتشه يكره الأخلاق الأوربية لآنها ابتعدت عن الفطرة الحيوانية واستبقت الضعفاء والعجزة والمرضى الذين يفسدون المادة البشرية ، لآنها أخلاق مسيحية !

ولكنهما يتفقان من حيث ان لكل منهما رؤيا بشرية ، فكلاهما حالم ،ولكن حلم دستوفسكى هو المسيحية العامة ، وحلم نيتشه هو تنازع البقاء . وقد قال كلاهما : ان البطولة خير من السعادة .

ولكن البطل عند دستوفسكى هو ذلك الذى يضع احساسه البشرى فوق عقله المنطقى . والاحساس هنا هو الرحمة والحب . وكذلك نيتشه يزدرى العقل والمنطق ،ويقول بالاحساس ولكن احساسه هنا هو أن الصقر يجب أن يأكل العصفور ولا يرحم .

لقد انهى رسكلنيكوف فى قصة (( الجريمة والعقاب )) الذى قتل العجوز كى يحصل على مالها الى ان تجحد عقله ويعود الى احساسه ويرضى بالتكفير عن جريمته فى سينبريا . ولو أن نيتشه كان قد ألف هذه القصة لسخر من هذه النهاية . ولكنه ،مع سخره هذا . لم يكن ليقبل قتل العجوز لآنه لم يكن داعية للفوضى ، وانما الأغلب انه كان يطلب نظمأ اجتماعيآ منطقيآ يؤدى الى الاستغناء عن العجزة الذين انهى نفعهم للبشر .

وحين نقرأ قصص دستوفسكى لا نمالك ان نحس أنه يريد ان نفهم منه ان الانسان مزيج من الخير والشر ، وأن فى نفس المجرم الآثم أو الشرير القارح جواهر من الشرف والبر . وهذا صحيح .

وثلاثة يمثلون العبقرية البشرية ، هو نابليون الذى يمثل عبقرية الارادة ، وأينشتين الذى يمثل عبقرية الذهن ، وأخيرآ دستوفسكى الذى يمثل عبقرية الاحساس .