الاثنين، 9 يناير، 2012

دستوفسكى ذكاء العاطفة

كان من حظى الحسن أن هبطت على الأدباء الروس وأنا حوالى فى العشرين , فارتفعت بذلك إلى مستوى من التقدير للفن القصصى جعلنى فى مستقبل عمرى أتأنق وأحجم عن قراءة تلك القصص الإنجليزية والفرنسية والأمريكية التى لا ترتفع إلى مقام المؤلفات العظيمة التى الفها تولستوى ودستوفسكى وجوركى وجوجول وتيشكوف وترجنيف والحق أن الانتقال من دستوفسكى الروسى إلى أرنولد بنيت الإنجليزى هو وثبه إلى الحضيض يفزع منها الإنسان . والانتقال من تولستوى إلى أى أديب آخر فى أوربا أو أمريكا هو انهيار فادح .

وأحيانآ أحاول أن أعلل حبى لهؤلاء الأدباء الروس بأن الحال الاجتماعية التى وصفوها كانت تشبه حالنا فى مصر . وأن الوسط الاجتماعى الأوربى الأمريكى كان يجرى على نظم ديمقراطية حرة لا تتيح للأوربى أن يستمرئ هذا المجتمع الروسى القديم وما حفل به من فوضى وفاقه واستسلام وركود . ولكن هذا التعطيل لإحساسنا بتفوق الأدب الروسى على الآداب الغربية لا يكفى .

وقد حدث لى ما يشبه ذلك فى الموسيقا . فإنى فى مقتبل عمرى عرفت الموسيقا الأوربية الكنيسة والمسرحية . فارتفع ذوقى إلى حد الكراهية , بل العداء , للموسيقا الشرقية الباكية الجنسية المخنثة . فلست أطيق إلى الآن أغنية أو لحنآ مصريين , بل إنى أوثر عليها " موالا " من تلك المواويل التى يغنيها فلاحونآ . فإن فيه أحيانآ من الصدق والرجولة ما يبعث على الاحترام , فى حين نشمئز من الأغانى والألحان المصرية الحاضرة لما فيها من التباكى والتخنث . ولعل ميزة أوربا علينا فى الموسيقا أنها أدخلتها الكنائس فأكسبها شيئآ يقارب حرمة الدين , وهذا فى الوقت الذى تركنا نحن فيه موسيقانا وأغانينا تعيش وترافق الرقص الذى كانت تمارسه البغايا . وقد كان رقصآ جنسيآ مخنثآ فسقطت مكانة الموسيقا والأغانى فى نفوسنا .

* * *

ولد دستوفسكى فى عام 1822 ومات فى عام 1881 . وكان مريضآ طوال حياته , تنتابه نوبات من الصرع . وقد أخرج قصته الأولى " المساكين " فى عام 1846 ووثب بها مصاف الأدباء الأفذاذ , وفى عام 1849 ألقى القبض عليه بتهمة الاشتراك فى جمعية سياسية غير مشروعة وحكم عليه بالإعدام . ثم خفف الحكم إلى النفى إلى سيبريا حيث قضى أربع سنوات و ألف عنها كتابآ بعد ذلك باسم " ذكريات من بيت الموتى " . وبعد سنوات أخرى فى الجندية والسياحة استقر على التأليف القصصى . فأخرج "الإخوة كرامازوف" وهى الآولى بين قصص العالم جميعها . وأخرج أيضآ قصة " الجريمة والعقاب " . وقد بعثتى حماسى لها أنى فى سنه 1911 ترجمت منها نصفها ثم طبعت الربع بهذا الاسم ولم أتمم الترجمة .

وتتسم قصصه بحنان ورقة يشيعان فى نفوسنا إحساس الدين . وهى جميعآ دعوة إلى الخير وحب والأطفال وحماسة الأمومة , ولذة التضحية , وارتفاع عن الدنايا المادية ونحو ذلك . وقد كانت حياته هو نفسه مليئة بهذه العواطف .

* * *

ولنذكر شيئآ مما وقع له , ولعله كان لهذه التجربة القاسية أثر فى فنه . ففى يوم 22 أبريل من عام 1849 ألقى القبض فى بطرسبورج على نحو ثلاثين شابآ كان بينهم دستوفسكى , وكانت التهمة الخطيرة التى اتهموا بها أنهم اجتمعوا واحتفلوا بميلاد الكاتب الفرنسى فورييه .

وكان فورييه مشهورا ببرنامج يقترحه لتغيير المجتمع وهو حين نقرأه هذه الأيام نجد فيه سخفآ عظيما ذلك أنه ينص على تأليف جماعات لا تزيد إحداها على 1600 شخص يعيشون معآ متعاونين مستقلين عن الجماعات الأخرى . وقيل إن هؤلاء الثلاثين المجتمعين فى بطرسبرج قد تأمروا على ترجمة كتاب فورييه هذا , ولما زاد فى هذه " المؤامرة " الخطيرة أن أحد الحاضرين قرأ خطابآ من أديب يدعى بيلنسكى إلى القصصى جوجول يونجه فيه لأنه عاد إلى الإيمان بعد الكفر .

وبعد أن قضى المتهمون سبعة أشهر فى السجن حكم عليهم بالإعدام , ثم قضوا شهرآ أخر قبل التنفيذ نصبت أعمدة فى أكبر ميدان فى بطرسبرج ثم ألبس المتهمون جلاليب بيضاء وعى رأس كل منهم طرطور وأخرجوا فى الصباح من يوم 22 ديسمبر , والثلج يغطى الأرض , ثم حضر قسيس يحمل صليبآ من الفضة ويطلب إلى كل منهم تقبيله حتى يغفر لهم العالم الأخر . ووقف ستة عشر جنديآ يحملون البنادق , وربط كل منهم إلى العمود كى يتلقى الأعيرة النارية . ثم أمر الجنود بفتح الأزندة استعدادآ لإطلاق النار . وفى هذه اللحظة فقط أعلنوا جميعهم بأن القيصر قد استبدل بحكم الإعدام الحكم بالنفى إلى سيريا أربع سنوات .وبعد هذه المأساة أو المهزلة سافروا إلى سيبريا . وقبل السفر كتب دستوفسكى إلى شقيقه هذا الخطاب التالى :

" قلعة بطرس وبولس فى 22 ديسمبر سنة 1849 " .

" أخى : صديقى الحبيب : كل شئ قد تم , وحكم على بالسجن والأشغال الشاقة أربع سنوات فى القلعه ( أظنها قلعة أورنبورج ) وبعد ذلك التحق بالجيش جنديآ . وفى هذا اليوم 21 ديسمبر نادونا إلى مكان العرض فى سميونوف وقرءوا علينا الحكم بالإعدام . ثم أمرونا بأن نلثم الصلبب . ثم كسروا سيوفنا فوق رؤوسنا , ثم نزعوا ملابسنا وألبسونا القمصان البيض . وبعد ذلك ربطوا ثلاثة منا إلى عمود كى يضربوا بالبنادق . وكان ترتيبى السادس , وكان النداء إلى ثلاثة كل مرة , وكنت أنا بذلك فى الفرقة الثانية فلم يكن باقيآ لى من الحياة سوى دقيقة , وقد ذكرتك أيها الأخ أنت وأولادك . وفى هذه الدقيقة لم أذكر سواك يا أخى وحبيبى . وعرفت عندئذ مقدار حبى لك . وقد تمكنت من أن أقبل بلاتسياف ودوروف . وكانا واقفين جانبى وودعنهما . وأخيرآ نفنخ البوف وأعلن الأمر بالرجوع , وحل الذين كانوا قد ربطوا إلى العمود .

" ثم قرئ علينا أمر صاحب الجلالة الإمبراطورية بمنحنا حياتنا , والحكم علينا بالأحكام الجديدة . ولم يفرج عن أحد سوى بالم الذى أرجع إلى الجيش برتبته السابقة ." وقد أبلغت يا أخى الحبيب بأنهم سيرسلونتى اليوم أو غدا . وقد طلبت رؤيتك , ولكنهم أخبرونى بأن هذا محال وأن كل ما يستطيعونه أن يسمحوا لى بالكتابة إليك . فأسرع وابعث لى الرد . وأنا أخشى أن يكون قد بلغك الحكم علينا بالإعدام , فقد نظرت من نافذة العربة التى حملتنا إلى ساحة الإعدام ورأيت فى الطريق جمهورآ كبيرآ , وخشيت أن يكون من رأونى قد أبلغوك وآلموك بذلك . ولكن الآن يمكنك أن تهنأ بشأنى . يا أخى . لا تظن أن الحكم فد هدنى أو غم على , فالحياة فى كل مكان هى الحياة . هى فى داخلنا وليست فيما هو خارج عنا . وسيكون قريبا منى أناس , وسأكون رجلا بينهم , وأبقى كذلك إلى الأبد . ولن يهن قلبى أو تفشل عزيمتى أمام المصائب . وهذا فى اعتقادى هو الحياة أو الواجب فى الحياة . وقد حققت ذلك وصار هذا الخاطر جزءآ من لحمى ودمى . أجل , هذا صحيح , فهذا الرأس الذى كان يبتكر ويعيش فى أسمى الحياة الفنية , والذى حقق أسمى الحاجات الروحية واعتقادها – هذا الرأس قد قطع من عاتقى ولم يبق عندى سوى الذكريات والخيالات التى أخترعها ولكنها لم تتجسم فى بعد . وإنى لأعرف أنها ستمزقنى , ولكن ما يزال باقيآ لى قلبى وهذا اللحم والدم الذى ما يزال قادرآ على الحب والألم والرغبة . ولا تنس أن هذه هى الحياة . أجل . ما زلت أرى الشمس . الآن وداعآ يا أخى ولا تحزن من أجلى .

" والآن هلم إلى الماديات . إن كتبى ( باستثناء الكتاب المقدس الذى ما يزال عندى ) وعدة أوراق من مخطوطاتى , وتخطيط درامة , وقصة ( وقصة أخرى كاملة تسمى قصة طفل ) قد أخذت كلها منى . والأرجح أنك ستتسلمها .

" وقد تركت معطفى وملابسى فيمكنك أن تأخذها . والأن يا أخى أظن أننى سأمشى مسافة طويلة وأحتاج إلى نقود . أخى الحبيب : إذا تسلمت هذا الخطاب وكان يمكنك أن تحصل عل قليل من النقود فأرسلها إلى بأسرع وقت , فأنا أحوج الآن إلى المال منى إلى الهواء ( لغرض خاص ) . وابعث لى ببضع كلمات . ثم إذا جاءت نقود من موسكو فتذكرنى ولا تنسى . وهذا كل ما أريده , وأنا أعرف أن على ديونآ ولكن ماذا أفعل !

" قبل زوجتك وأولادك واذكرنى عندهم كثيرآ ولا تجعلهم ينسوننى فلعلنا نلتقى يومآ ما . أخى , أوصيك بالعناية بنفسك وأولادك , وأن تعيش فى هدوء ويقظة , وأن تفكر فى مستقبل أولادك . عش عيشآ إيجابيآ . إنى ما شعرت قط بوفرة الحياة الروحية فى شخصى كما أشعر بها الآن وأنا مريض بالاسخربوط , ولكنى لا أبالى بذلك . أخى , لقد كابدت من الحياة الشئ الكثير حتى ما يكاد شئ يخيفنى الآن فى العالم . فليكن ما هو كائن . وسأكتب إليك فى أول فرصة , وابعث لأسرة مايكوف بتسليمانى وتحياتى . واشكر لهم اهتمامهم بحظى , وقل بضع كلمات حارة يمليها عليك قلبك ليوجينيا بتروفيا .

" فأنا أدعو لها بالسعادة وسأذكرها على الدوام بحميلها . واضغط يد نيكولاى أبولو نوفتش أبولون ما بكوف وجميع الأخرين . وابحث عن يا نوفسكى واضغط بده واشكره , وأخيرآ صافح جميع أولئك الذين لم ينسونى , وقبل أخى كوليا . واكتب خطابا إلى أخى أيدريه وأخبره بكل شئ عنى واكتب لعمي وعمتي , وافعل ذلك باسمى . وابعث لهم تحياتى واكتب لأخواتى اللواتى أدعو لهن بالسعادة .

" وربما نلتقى يا أخى فى المستقبل . لا تهمل العناية بنفسك بل عش وابق حيآ حتى نلتقى ثانيآ , فعلينآ نتعانق يومآ ونذكر شبابنا ذلك الوقت الذهبى , ذلك الشباب وتلك الآمال التى أمزفها الآن من قلبى ودمى كى أدفنها . .

"هل يمكن حقآ أنى لن أتناول القلم بيدى مرة أخرى ؟ أظن أنى سأعود إلى الكتابة بعدهذه السنوات الأربع وسأرسل لك كل شئ أكتبه إذا كتبت شيئآ . وارباه ا كم من خيالات عشت فيها أو اخترعتها ستموت وتنطفئ فى دماغى , أو تتمزق وتسير فى دمى كالسهم . أجل . إذا لم يسمح لى بالكتابة فإنى سأموت . وخير لى من ذلك أن أسجن خمس عشرة سنة ويكون فى يدى قلم .

" اكتب لى كثيرآ , واكتب بالتفصيل والإسهاب واذكر لى حقائق ... حقائق كثيرة . وفى كل خطاب اكتب لى عن شئون الأسرة مع التفصيل ومع ذكر الأشياء التافهة . ولا تنس هذا فهذه الخطابات تعيد إلى الرجاء والحياة . آه لو تعرف كيف أحيتنى وأتعستنى خطاباتك التى أرسلتها إلى وأنا فى هذه القلعة , وقد كان الشهران والنصف شهر الماضية , حين منعنا من كتابة الخطابات أو تسلمها , من أشق ما كابدته . وقد كنت مريضآ .

" ولما أهملت أنت إرسال النقود إلى ساورنى القلق من أجلك لأنى فهمت من عدم إرسالك للنقود أنك أنت فى حاجة شديدة . قبل الأطفال مرة أخرى , فإن وجوههم الحلوة الصغيرة لا تغيب عن بالى . لتكن لهم السعادة ! وأنت يا أخى كن سعيدآ . كن سعيدآ .

" ولكن لا تحزن , وبحبك الله لا تحزن لأجلى , وثق أنى لم أهن وتذكر أن الرجاء لم يهجرنى , وبعد أربع سنوات سيخفف عنى ما فعلته الأقدار وأصير جنديآ فينقضى سجنى . وتذكر أنى سأعانقك يومآ ما . لقد كنت اليوم فى قبضة الموت ثلاثة أرباع الساعة , وعشت هذه المدة بهذا الخاطر وبلغت آخر لحظة من الحياة . وها أنا ذا حى مرة أخرى .

" وإذا كان أحد يتذكرنى بسوء , أو إذا كنت قد تشاجرت مع أحد أو أسات إلى أحد , فاخبره إذا لقيته بأن ينسى الإساءه وليس فى نفسى مرارة أو نقمة على أحد , وأود لو أعانق فى هذه اللحظة كل واحد من أصدقائى السالفين . وقد شعرت اليوم بالراحة وأنا أودع أحبابى الأعزاء قبل الموت , وخطر ببالى فى هذا الوقت أن خبر إعدامى سيقتلك . ولكن استرح الآن فإنى ما زلت حيآ . وسأعيش راجبآ بأن أعانقك يومآ ما . وهذا كل شئ فى بالى الآن .

" ماذا تفعل , وبماذا فكرت اليوم , وهل عرفت شيئآ عنا ؟ وماذا كان مقدار البرد اليوم . آه ما اشوقنى إلى أن يصل خطابى هذا إليك بسرعة , وإلا فإنه إذا تأخر فإنى سأبقى أربعة أشهر بدون خطاب منك . وقد رأيت الظروف التى أرسلت فيها النقود لى مدة الشهرين الماضيين وكان عنوانى مكتوبآ عليها بخطك وسررت برؤية الخط .

" وعندما التفت إلى الماضى وأتذكر مقدار الوقت الذى ضاع عبثآ وكم منه ضاع فى الأوهام والكسل والجهل بالعيش , وكيف أنى لم أقدر الوقت حق قدره , وكيف جنيت على قلبى وذهنى , أحس بأن قلبى يسيل دمآ . أجل إن الحياة عطية وهى سعادة وكان من الممكن أن نجعل من كل دقيقة منها عصرآ طويلا من السعادة .

" آه لو عرف الشباب .. ! . والآن هذه حياتى تتغير وأنا أولد من جديد فى شكل آخر . أخى . أقسم لك أنى لن أفقد الأمل وسأصون روحى وقلبى فى الطهارة , وميلادى الجديد سيكون إلى حال أحسن من حالى الماضية . وهذا كل رجا . وهذا كل عزائى .

" إن حياة السجن قد قتلت فى جسمى مطالب اللحم التى لم تكن كلها طاهرة , ولم أكن قبل هذه الحياة أعنى بنفسى كثيرآ . أما الآن فالحرمان لا قيمة له عندى ولذلك لا تخش على من المشاق المادية وتحسب

أنها ستقتلنى . كلا , لن يحدث هذا

" وداعآ . وداعآ يا أخى . إنى أعانقك بقوة وأقبلك بحرارة , تدكرنى ولكن بلا ألم فى قلبك , فأرجوك ألا تحزن . وفى الخطاب الآتى سأخبرك بما يتم لى .. وتذكر عندئذ ما أخبرتك به : لا تعش جزافآ دائمآ . دبر حياتك ورتب حظك وتفكر فى أولادك , آه لو أراك . وداعآ .. وداعآ . إنى أنزع نفسى الآن من كل شئ أحببته . وهذا النزاع مؤلم . ومن الموجع أن أقطع نفسى نصفين وأشق قلبى شقين . وداعآ .. وداعآ . ولكنى سأراك . أنا واثق , واع أنا فلا تتغير , وأحبنى , ولا تدع ذاكرتك تبرد .. وذكرى حبك ستكون أحسن شئ فى حياتى . . ومرة أخرى وداعآ . وداعآ . وداعآ وداعآ لكم جميعآ " .

أخوك

فيدور دستوفسكى

" ولما قبض على أخذوا منى كتبآ عدة ولم يكن بينها سوى كتابين ممنوع تداولهما . فهل لك أن تطلب الباقى لنفسك . ولكن لى طلبآ . وهو مقالاته الانتقادية . هذه النسخة كنت أخذتها من أوجينيا بتروفنا . وكانت تعدها كنزآ . وقد أقرضتها لى , ولما قبض على طلبت من الشرطى أن يرد إليها الكتاب وأعطيته عنوانها . ولا أعرف إذا كان قد رده . اسأل عن ذلك لأنى لا أحب أن أحرمها هذه الذكرى . وأخيرآ وداعآ . وداعآ " .

أخوك

ف . دستوفسكى

" على الهامش : لا أعرف هل أمشى أو أركب فرسآ . وأظن أنهم سيركبون الخيول . ربما . قيل يد إميلى فيدروفنا وقبل الصغار واذكرنى عند كريافسكى . اكتب لى عن القبض عليك وحبسك والإفراج عنك "

* * *

هذا الخطاب هو جزلة حية ترشح بالدم من نفس دستوفسكى . تمتاز قصص دستوفسكى بأن أشخاصها يتسمون بالإحساس والذكاء معآ , فإن بطل " الجريمة والعقاب " طالب فى الجامعة يتأمل ويتفلسف ويتساءل ! لماذا لا يقتل هذه العجوز الثرية المقترة التى لا تزيد قيمة حياتها على حياة برغوث ؟ أليس هو أولى بثرواتها ينفقها فى الخير والنفع ؟

ثم يقتلها . ثم يعود إلى التأمل والفلسفة فيسلم نفسه فى النهاية إلى البوليس حيث يحاكم ويحكم عليه بالنفى إلى سيريا . ويرضى لنفسه هذا المصير لأنه وجد شيئآ أكبر من ذكاء العقل هو ذكاء الإحساس .

وسائر قصصه على هذا الغرار . إحساس فوق الذكاء , وخيال فوق العقل . وقصصه تكاد جميعها تخلو من العقدة إلا القليل جدآ . وفى النهاية نجد أنه يهدف إلى خيال الشعر . فهو يتناول الواقع ثم يسير به نحو آيات من الفن والشعر . وهذا هو ما يجنب أن يكون . لأن القصة هى التفسير الخيالى للحياة حيث يرتفع المؤلف بالواقع إلى المثليات فيكسب هذا الواقع دلالة جديدة . فالفتاة التى تبيع عرضها كى تنقذ إخواتها من الجوع , والسكير الفانى الذى يتعلق بالدين ولا يزال يؤمل الآمال , والراهب الذى يحب ولكنه لايسقط , والشاب الذى يملآ الشرف صدره فيذهب إلى أحد الأثرياء ويعرض عليه فى غرارة وسذاجة مشروعآ للخير فلا يجد سوى الاستهزاء , والأبله الذى يؤمن بالعلم فيرتكب جريمة الأغتيال استنادآ إلى العلم ... وهذا يذكرنا بالبله العلماء الذين اخترعوا القنبلة الذرية !

كل هذا يقع فى قصص دستوفسكى . وهو بفرط حنانه وجمال خياله قد يناقض العقل والمنطق , ولكن كما كان يناقضه غاندى أو تولستوى ... وقد كسبت من دستوفسكى أكثر مما كسبت من غيره , وهو ذا الإحساس الأدبى الذى لا يختلف من الإحساس الدينى أو الموسيقى ... وذلك أننا إزاء الدين والأدب والموسيقا لا " نعرف " وإنما نحس . وقد قلت فى أول هذا الفصل إن هبوطى المبكر على القصصيين الروس قد جعلنى أستصغر شأن الأدباء الأوربيين والحق أنى قرأت برنارد شو , وولز , وديكنز , وأنا طول فرانس , وأندرية جيد , كثيرآ غيرهم فكان تقديرى لهم اجتماعيا أكثر مما كان أدبيا . وقد وجدت عندهم الرأى والمعرفه أكثر مما وجدت الفن والإحساس . وعندما أتامل هؤلاء الأدباء الروس جميعهم , حتى مكسيم جوركى , أجد أنهم ينشدون الدين , فإن الإحساس الدينى البشرى فى هذا الكاتب الأخير على الرغم من إلحاده كبير جدآ . وقد استطاع دستوفسكى وتولستوى أن يجعلا المسيحية دينآ وأدبآ معآ , بل إنهما أبرزها كهنة هذه الديانة أنفسهم .

كان دستوفسكى يكره الشبان الثائرين على القيصر , وكثيرآ ما نجد فى قصصه ثاثرآ أو أكثر يستهزئ بأفكارهم ويسخر من عقائدهم . ولكن كراهيته لهم لم تكن تستند إلى حبه للنظام الاستبدادى الذى كان يسود حكومه القيصر ويوجهها , وإنما كان يكره أوربا أيضآ لهذا السبب . وقد دعا إلى مقاطعة الثقافه الأوربية فى الوقت الذى كان يدعو فيه تورجنيف إلى اعتناقها .

وعندما نتعمق أقوال دستوفسكى لا نتمالك الإحساس بأنه يكره العلوم المادية جميعها ويكره الحركات الاجتماعيه الارتقائيه القائمة عليها , وأن فى نفسه شوقا ملحا إلى أن يعيش الناس فى إيمان بالله قانعين بكلمات الإنجيل التى يجب أن تكون الأساس الذى تنبنى عليه الأخلاق .

وقد عجز دستوفسكى عن أن يفطن للحقيقة الأوربية البازغة وهى أن الأوربين قد شرعوا مذ أوائل القرن التاسع عشر فى استبدال الرؤيا البشرية للرقى والأخلاق والدين برؤيا الكنيسة . وأن الإحساس الدينى البشرى الجديد , على الرغم من أنه لا يزال ضعيفآ , يجد أنصارآ أقوياء يسلكون فى حماسه وحب للبشر ويضحون للإنسانية .

ولكنه فطن إلى أن علمآ بلا دين هو دمار بشرى عام . بل نستطيع أن نقول إنه بصر قوة العلم الطاغية فى القنبلة الذرية التى يخرج يها طيار يشرب كأسا من الكونياك فى نزق ومجانه ثم يقتل ثمانين ألف إنسان فى ثانية ويعود ضاحكآ إلى معسكره كما حدث فى هيروشيما فى أغسطس من عام 1945 .

بعد أن قضى دستوفسكى مدة عقوبته فى سييريا وأفرج عنه كتب إلى السيدة فون ويسين خطابا جاء فيه :

" ... ومع ذلك فإن الله يمتعنى أحيانا بلحظات من الهدوء الكامل . وفى هذه اللحظات أجد الإيمان الذى يتجلى لى فيه كل شئ فى وضوح وقداسة . وإيمانى هذا فى غاية البساطة , وهو أنى أعتقد أنه ليس هناك ما هو أروع وأحب , وأعقل , وأشجع , وأكمل , من المسيح . وليس هذا فقط بل إنى لأقول لنفسى فى إحساس المحب الغيور إنه لا يمكن أن يكون هناك شئ . أكثر من هذا , وهو أنه لو أن أحدآ قال لى :

المسيح يجافى الحق , ولو أن هذا القول كان صحيحآ , لأثرت البقاء مع المسيح على التزام الحق " .

وقصص دستوفسكى جميعآ تنشد الأيمان الذى يستطيع أن يستقر به الأنسان على هذه الدنيا حتى ولو كان هذا الأيمان يخالف منطق العيش وأسلوب البحث العلمى .

وقد وجد دستوفسكى حافزآ عظيمآ للاعتماد على الايمان ،هو هذا الاختبار المؤلم حين وقف أمام الجنود ينتظر اطلاق النار . فانه بقى طوال عمره بعد ذلك ينظر الى الحياة من موقف الموت ، وهو موقف جدير بأن يغير النظرة والنبرة للحياة معآ . وواضح انه لم ينسه بتاتآ فى كل ما كتب .

وأكاد هنا أقول ان الدين ليس شيئآ آخر سوى النظر الى الحياة من موقف الموت . فأن الموت اكبر حقيقة بشرية .

وهو عندما نتأمله نجد انه يغير القيم والاوزان ويحولها من التقدير اللاجماعى الى التقدير البشرى .

فنحن فى هرولة الحياة الاجتماعية نتعب ونلهث لآجل الثراء أو الوجاهة أو ننساق فى أنانية بشعة لا نبالى مصالح الغير ولا نرحم من ندوسه فى سبيل الاقتناء أو التغلب . وكلنا على هذه الحال بدرجات متفاوتة ، ولكن فكرة الموت تنقدح فجأة فى أذهاننا فنقف فى طريق الحاة ونتساءل عن نهايته . وهذا وجدان أكبر الوجدان بالحياة الى تتخلص عندئذ من ملابساتها الاجتماعية . وعندئذ نحس كما أحس دستوفسكى ، بل كما يعلم ويكرر فى جيمع قصصه ، اننا نحن بنو البشر كيان واحد وقد تعددت اجزاؤه وانفصلت ، ولكن انفصالها لم يمنع بينها التراحم والحب والحنان . فكلنا عندئذ ، بعد تأمل الموت ، أب وأم وأخ لآبناء البشر جميعآ .

وهذا هو احساس المسيح ،وغاندى ، وتولستوى ، بل فولتير وروسو وشفستزر . بل كل انسان استطاع ان يقف عن هرولته الاجتماعية ويتامل حقيقة الموت . اجل ان تأمل الموت هو كشف دينى . كأنى

- حين اوقن أنى فى احدى اللحظات سأفارق هذا العالم فلا يبقى لى فيه جسم او اسم أو ذكرى ــــ لا أسأل عندئذ عن هذا الرجل هل هو باشا او بك ؟ وثرى أو فقير ؟ هل يملك صيغة أو أتومبيلا أو قصر ؟وانما أسأل عن ميزاته الانسانية . بل انى لاهتم به وأتأمله كثيرآ عندما اعرف انه يحب الزهور ، ويحنو على الاطفال ، ويفرح لرؤية الشفق ، وتلتمع فى ذهنه أشعة الذكاء وشهوة الحرية ويحس قرابته للحيوان بل للنبات . أن يقيننا بالانعدام بعد الموت يزيدنا وجدانآ بالحياة . وهذا هو احساسنا عندما نقرأ دشتوفسكى ، فان الحياة تصخب حولنا وتكاد تتجمع فى بركان تحتبس فيه العواطف ثم تنفجر .

ومع أن القارئ لقصصه يحس من وقت لآخر ان ايمانه بالله يتزعزع ، هنا وهناك ، فان اصراره على الايمان يتكرر فى لهجة التأكيد والغضب من المنطق العلمى وتفشى المادية الأوربية . فهل نستطيع أن نفسر ذلك بأن رهبه الموت حين وقف لتلقى النار وقد حملته ايضآ على التشبث بالايمان فرارآ من معانى القلق والشك والخوف ، وجميعها من معانى الموت .

وقد يكون ذلك ، ولكن هذا الايمان قد جعل قصصه تذوب ،رحمة وحنانآ واخاء وبرآ حتى لنحس ونحن نقرأها هذه الفضائل تسرى فى كياننا، كما لو كانت بلسما ، وترفعنا فوق أنفسنا .

* *

· لا ننمالك ونحن نقرأ دستوفسكى أن نقارن بينه وبين نقيضه نيتشه .

وقد عرف داعية القوة وعدم المسيحية داعية الرحمة والمسيحى الأول من إحدى قصصه . والعجب أننا على الرغم من هذا التناقض بينهما نجد آشتراكآ فى الأسلوب الفكرى ، حتى لقد أحب نيتشه دستوفسكى وقال عنه : هو الانسان الوحيد الذى علمنى شيئآ عن السيكلوجية .

وهما يشتركان فى الكراهة للحضارة العصرية ، ولكن لسببين متناقضين . فان دستوفسكى يكره أوربا لآنها تركت الانجيل والمسيح ، ونيتشه يكرهها لآنها اعتنقهما . فالأخلاق العامة فى أوربا تحولت فى رأى دستوفسكى الى أخلاق المادية العلمية والمباراة الاقتصادية والعبد عن الاخاء والرحمة .

ونيتشه يكره الأخلاق الأوربية لآنها ابتعدت عن الفطرة الحيوانية واستبقت الضعفاء والعجزة والمرضى الذين يفسدون المادة البشرية ، لآنها أخلاق مسيحية !

ولكنهما يتفقان من حيث ان لكل منهما رؤيا بشرية ، فكلاهما حالم ،ولكن حلم دستوفسكى هو المسيحية العامة ، وحلم نيتشه هو تنازع البقاء . وقد قال كلاهما : ان البطولة خير من السعادة .

ولكن البطل عند دستوفسكى هو ذلك الذى يضع احساسه البشرى فوق عقله المنطقى . والاحساس هنا هو الرحمة والحب . وكذلك نيتشه يزدرى العقل والمنطق ،ويقول بالاحساس ولكن احساسه هنا هو أن الصقر يجب أن يأكل العصفور ولا يرحم .

لقد انهى رسكلنيكوف فى قصة (( الجريمة والعقاب )) الذى قتل العجوز كى يحصل على مالها الى ان تجحد عقله ويعود الى احساسه ويرضى بالتكفير عن جريمته فى سينبريا . ولو أن نيتشه كان قد ألف هذه القصة لسخر من هذه النهاية . ولكنه ،مع سخره هذا . لم يكن ليقبل قتل العجوز لآنه لم يكن داعية للفوضى ، وانما الأغلب انه كان يطلب نظمأ اجتماعيآ منطقيآ يؤدى الى الاستغناء عن العجزة الذين انهى نفعهم للبشر .

وحين نقرأ قصص دستوفسكى لا نمالك ان نحس أنه يريد ان نفهم منه ان الانسان مزيج من الخير والشر ، وأن فى نفس المجرم الآثم أو الشرير القارح جواهر من الشرف والبر . وهذا صحيح .

وثلاثة يمثلون العبقرية البشرية ، هو نابليون الذى يمثل عبقرية الارادة ، وأينشتين الذى يمثل عبقرية الذهن ، وأخيرآ دستوفسكى الذى يمثل عبقرية الاحساس .

ليست هناك تعليقات: