السبت، 17 ديسمبر، 2011

الخاتم المسحور

كنت أقرأ أمس في كتاب ( تحت المصباح الأخضر ) لتوفيق الحكيم فاسترعت نظرى تلك المقالة بعنوان ( الخاتم المسحور ) أنقلها إليكم كما هى دون تعليق منى

(( البارحة تحت مصباحي الأخضر فتحت كتاباً وردت فيه هذه الأسطورة من أساطير الشرق القديمة:

(… في سالف الأزمان عاش رجل ألقت إليه السماء بخاتم نادر الوجود، خاتم من حجر كريم تنبثق منه أشعة عجيبة مختلفة الألوان، خاتم سحري من حمله وآمن به فقده رضى عنه اللّه، و رضيت عنه الناس. فحرص عليه الرجل ووضعه فى إصبعه لا ينزعه منها قط. ورأى أن يحفظه فى بيته يتوارثه خير الخلف عن خير السلف. فأوصى أن يؤول هذا الخاتم من بعده. لأحب أبنائه إليه، وأمر أن يورثه هذا الولد لأعز أبنائه عليه. دون أن يكون للسن فضل ولا للأكبر من الأبناء حق. وأن يعطى الخاتم الأحب من الأولاد دائما، ويكفل لمن حازه حق زعامة البيت .

وسارت الأحوال على هذا المنوال أجيال، بعد أجيال، وانتقل الخاتم من ابن إلى ابن حتى وقع آخر الأمر فى يد رجل له ثلاثة أبناء كلهم حبيب إلى قلبه عين الحب، وكلهم قد أنزله من نفسه عين المنزلة. وكان كلما خلا إلي أحدهم فى غيبة صاحبه خيل إليه أنه أفضلهم عنده. فحمله الضعف على أن همس في أذن كل من الثلاثة كل انفراد بأن الخاتم له دون سواه. وحضرته المنية آخر الأمر، فوقع فى حيرة، وفكـر طويلا وتأمل كثيرا، ماذا يصنع وهدته السماء إلى فكرة سطعت كالنور الإلهي. فاستدعى سرا صائغا من مهرة الصياغ، وأمره أن يصنع له خاتمين على مثال خاتمه.، أوصاه أن لا يدخر مالا ولا جهدا فى سبيل إتقان التقليد. وصدع الصائغ بالأمر، ومضى بالخاتم وغير مليا ثم عاد بالخواتم الثلاثة فوضعها أمام الأب فنظر إليها الأب فأخذه العجب: أنه لم يستطع أن يخرج الأصيل من الدخيل، و لم يعد يميز الصادق من الزائف ففرح وطلب أولاده واجتمع بكل واحد منهم منفردا أعطاه الخاتم، ودعا له بالبركة.

ثم أسلم الروح… ووارى الأبناء أباهم في التراب. وما كادوا يفرغون من أمره حي أبرز كل خاتمه، وأدعى أنه صاحب ألحق فى زعامة البيت ووقع بينهم الخلاف ودب الشجار وتفاقم النزاع. والكل شديد الاقتناع أن خاتمه هو الصحيح و لكن من ذا يستطيع تمييز الصحيح من الباطل؟ وذهب الجميع إلى القاضى . وهنالك صاح كل من الأبناء طالبا الحكم له وأقسم أنه قد تسلم الخاتم من يد ذلك الوالد الكريم وأنه هو دون أخويه حامل الخاتم الصحيح. فحار القاضي،و لم يدر ماذا يصنع، وكيف يقضى في هذا الأمر العسير فصاح – أحضروا أمامى أباكم أسأله فقالو:

- إنه ميت فى التراب كيف نستطيع إحضاره ؟

فقال القاضى:

- وأنا كيف أستطع أن أحكم بينكم أتحسبونني قديرا على حل الألغاز أتظنون أن فى مقدورى استنطاق الخاتم الحقيقي من بين الثلاثة

و أطرق القاضي قليلا ثم رفع رأسه فجأة وقال:

- و لكن اسمعوا ألم يقل قائل أن الخاتم الحقيقي له فعل سحري يكفل لمن حمله رضا الله والناس ها هنا مفتاح القضية، فالخواتم الكاذبة لن يكون لها مثل هذا الأثر. فمن منكم قد امتاز عن الآخرين برضا الله والناس هلموا تكلموا ما بالكم قد خرستم يظهر أنكم أنتم الثلاثة خادعون مخادعون ، وأن خواتمكم الثلاثة كلها زائفة و أن الخاتم الحقيقى قد فقد , فإذا أردتم منى نصيحة أسديها إليكم بدل الحكم بينكم ، فإني أقول لكم:خذوا الأمور على وضعها القائم، وليعتقد كل منكم أن خاتمه هو الصحيح، وليجهد فى إظهار فعله السحرى وذلك. لن يكون إلا بالعمل على إرضاء ربه والناس. فإذا مضى كل منكم فى هذا السبيل ونافس كل منكم الأخر فى اكتساب رضا الله والناس، بالخلق الطيب والعدالة السامية والنزاهة الطاهرة، و المحبة الفياضة والتسامح الكريم والسلوك القويم والأعمال الصالحة التي تشعر الناس أجمعين بالخير العظيم، إذا فعل كل منكم هذا وغرس بذوره فى نفوس تابعيه و ذويه ، وشعر أن خاتمه قد أحدث الأثر المسحور فليتقدم إلى هذه المحكمة فإن كنت بعد على قيد الحياة حكمت و إلا وجدتم غيرى فى مكانى أكثر منى حكمة،و أغزر علما يتولى النطق بالحكم.

فرغت من قراءة هذه السطور و انا أقول فى نفسى: ما أعمقها حكمة توضع تحت أنظار أحزاب متطاحنة. وما أحوج الأمم إلى قاض يسدي مثل هذا النصيحة لحملة مثل هذه الخواتم ” ويعلن إليهم فى صراحة أن اتهامات التزييف التي يلقى بها أحدهم ق وجه الآخر هي لغو من الكلام فكل خاتم يحمل جوهره الحقيقي السحرى فى العمل الذي يرضى الله و الناس ها هنا ميدان التنافس الحقيقي الذى ينبغي أن تعرض نتائجه عل محكمة الرأي العام

ليست هناك تعليقات: