السبت، 31 ديسمبر، 2011

متطرف تحت المجهر

متطرف تحت المهجر
لا أذكر من هو الشاعر , ولا من الخليفة أو الامير الذى قال الشاعر شعره بين يديه, لكن بيتى الشعر اللذين تبادلهما الشاعر والامير , فوضع كل منهما وجهة نظره فى بيت الشعر الذى ارتجله من وحى الموقف. فيبدو أن الامير
(أو لعله كان الخليفة المنصور) كان متسرعا يعجل الفعل قبل أن يتدبره فى روية وأناة: فوجه اليه الشاعر النصح فى بيت من الشعر ,مؤداه أن صاحب الرأى من واجبه أن يتدبر رأيه قبل أن ينتقل به الى مجال التنفيذ, أذ لا يفسد الرأى الا أن يتعجل صاحب الى الفعل قبل ان يستيقن من صواب ذلك الراى . وهنا أسرع الأمير (أو الخليفة) بالرد فى بيت الشعر , أجراه على منوالا البيت الذى قاله الشاعر , الأ أنه أخذ فيه بوجهة نظر مضادة , أذ قال : أن صاحب الراى ليس فى حاجة الى التدبر بقدار ما هو بحاجة الى العزيمة , اذ ليس ما يفسد الراى هو الاسرع به نحو التنفيذ , وانما يفسده أن يترد صاحب فى تنفيذه. وهذان هما البيتان:
قال الشاعر :
اذا كنت ذا رأى ,فكن ذا تدبر فإن فساد الرأى أن تتعجلا
فأجاب الامير :
اذا كنت ذا رأى فكن ذا عزيمة فأن فساد الرأى أن تترددا
واذكر أنى فى ساعة من ساعات الفراغ , أخذت ألهو فى هذين الموقفين من الحياة, فأيهما يا ترى أقرب الى الصواب؟ وهما موقفان كثيرا جدا ما نراهما يقسمان الناس صنفين: صنفا يتروى قبل التنفيذ , وصنفا أخر لا تكاد فكرة تطوف بخاطره حتى يسرع الى تنفيذها , والأغلب أن يكون الصنف الاول ممن أنضجته خبرة السنين , وعرف أن الرأى المعين فى الموقف العين , كثير جدا ما تقابله وجهات نظر أخرى تستحق الإلتفات إليها , والموازنة بينها , قبل الانتهاء الى قرار أخير , والأغلب أن يكون الصنف الثانى ممن لا يزال محكوما بانفعالاته وعواطفه من الشاب أو من هم فى حكم الشاب , فليست العبرة هنا بعدد السنين , وإنما العبر بغزارة الخبرة المحصلة أو ضحالتها .
وبعد مرجعات أقارن فيها بين الموقفين وأوازن : لمع الذهن بحل يجمع بين وجهتى النظر فى موقف واحد : فليس الصواب هو أن نجعل الامر بديلين , علينا أن نختار أحدهما وأن نترك الاخر : فأما أن نتدبر الراى ونتروى قبل العمل , واما أن نعزم عزيمتنا مسرعين الى العمل بلا تردد بين جانب الخطا منه وجانب الصواب . فحقيقة الامر - كما بدا لى - هى أن الطريق الى العمل ذو مرحلتين:
اولاهما مرحلة للتدبر , وثانيتهما مرحلة للعزيمة التى تهم بالفعل بناء على ما وصلت اليه المرحلة الاولى : فاذا راينا الناس وكأنهم منقسمون صنفين فى هذا الصدد , فما ذلك الأ أن صنفا منهم يقف عند المرحلة الاولى وحدها , وكأن امعان التدبر قد أصابه بالشلل , واما الصنف الثانى فى الذى يتجاهل المرحلة الاولى , ويجعل نقطة البدء والانطلاق معا فى المرحلة الثانية , وكلا الرجلين نصف انسان.
والامر ما , تواردت فى رأسى عند تلك اللمعة الذهنية ,ذكريات لاحصر لها , لمواقف كثر فيها اللغوبيننا , فى التفرقة بين ما نطلق عليه اسم "الكليات النظرية"
و "الكليات العملية" , وهو تقسيم لايجرى بدقة مجرى التقسيم الذى باعد المسافة بين الشاعر والأمير , الا أنه برغم ذلك يمت اليه بسبب , لآن شيئا شبيها بما قلناه عن وجوب الجمع بين تدبر الراى وعزيمة تنفيذه , ليكون مرحلتين لآبد أن يتكاملا معا فى الآنسان الواحد , نقوله كذلك فيما هو "نظرى" وما هو "عملى " من ضروب العلم , فكل "علم" عرفته الدنيا من أول التاريخ الذى عرف فيه الآنسان كيف يفكر على نهج العلم , هو "نظرى " أولا , وعملى ثانيا , أذا قسم "نظرية" أن تجد من ينقلها الى مجال التطبيق : والآ فيكيف يكون ؟ أبيدأ الآنسان بالخبط هنا والتخبط هناك بغير "فكرة" فى فكره ؟ أم أنه يبلور خبراته المتفرقة فى "فكرة" يقتنع بصوابها ثم يهم بتنفيذها : فأما طاوعه الواقع على فكرته , فتكون فكرته صحيحة , واما استعصى الواقع على فكرته فتكون فكرة خاطئة ؟ ولعل ما أضلنا عند القسمة الى "نظرى" و"عملى" فى كليات الجامعة هو خلط فكرى أفدح :
اذ حسبنا دراسة العلوم الانسانية أدخل فى باب "النظرى" غافلين عن أن النظرى هو ما يستند الى "النظرية" .
والنظريات بهذا المعنى , تعرفها العلوم الطبيعة أكثر مما تعرفها العلوم الانسانية , لسبب واضح - هو أنه قرينة الدقة عندما تعلو درجاتها .
واذا شئت فراجع ما شئت من بلاد الدنيا , لترى كيق تقسم فيها أنوع الدراسات , ولن نجد - فيما أعتقد - أحد سوانا نقل صفة "النظرى" من موصوفهاالحقيقى , وهو العلوم الطبيعة , الى غير موضوعها الاساسى المباشر ,وهى العلوم الانسانية . فهذه علوم مختلف على منهجها حتى اليوم :هل يكون هو نفسه منهج البحث فى العلوم الطبيعة , أو يكون لها منهج خاص؟ وذلك لان "النظرية"فى أى علم , أذا ما وجدت سبيلها الى دقة الصياغة , وغالبا ما تكون الصياغة الدقيقة فى صورة رياضية , كان ذلك دليلا على أن ذلك العلم قد بلغ مرحلة متقدمة من الدقة والقدرة على التنبؤ الصحيح فى مجاله.
ثم انعرجت بى الخواطر نحو الكليات الجامعية وأسمائها , فرأيت كم تعجل أولئك الذين أطلقوا الآسماء على غير مسمياتها : فالتى أطلقوا عليها اسم "كلية الآداب" لا تدرس أدابا بالمعنى المعرف لهذه الكلمة , ولا كان مقصودا بها أن تفعل - وأنما هى تدرس علوما اجتماعية , أو علوما انساية , فلماذا لم يسموها باسمها؟ و"كلية التجارة" لا تدرس تجارة, بل تدرس محاسبة وأدارة , فلماذا لم يسموها باسمها ؟ وكلية "الحقوق" تدرس القانون , فلماذا لاتسمى كلية القانون كما هى الحال فى سائر بلاد الدنيا ؟
ولكننى سرعان ما أووقفت هذه الخواطر متهكما , قائلا لنفسى : هذه الأ سماء كلها , وأن أطلقها من أطلقها على غير مسمياتها , فهى حتى وأن اختلف الناس حول معانيها , فلن يؤدى بهم ذلك الاختلاف الى قتال تسفك فيه الدماء .
وماذا أنت قائل فى مجموعات أخرى من الاسماء يفهمها الناس على أوجه مختلفة , ثم ينتهى بهم انقسامهم فى الفهم الى عراك, ينشب بينهم بالكلمات أول الامر ثم يتحول العراك الى ساحات الحرب ونيران المدافع ؟! فاسم "الديمقراطية" يطلقة فريق على نظام تتعدد فيه الاحزاب لتعدد وجهات النظر , ويطلقة قوم أخرون على نظام الحزب الواحد لواحدية الراى الذى لايجوز له عندهم ان يتعدد , فاذا قال الاولون : هذه هى الديمقراطية هى هذه وعلى العرافين , والمنجمين , وقراء الكف والفنجان , أن يكشفوا للناس وجه الحق بين الفريقين , قبل أن ينتقلا بالخلاف الى لغة الحديد والنار . وكل أنسان على كوكوب الارض يرفع لواء "الحرية", وهل شهد التاريخ كله حاكما واحدا يعلن عن نفسه أنه يحكم لغير الحرية ؟ أنه يقتل من أجل الحرية , ويزج فى السجون من أجل الحرية .
ولكن تعال فانظر اليهم , كيف يفهمونها على معان تختلف باختلاف العصور وباختلاف الشعوب فى العصور الواحد , تجد عجبا .
اننا هنا لا نريد أن نسى الظن بأحد . فكل يحب وطنه وأهله الى حد العشق والهيام , لكنالعلة هى فى فهم الناس للكلمات : فواحد يقول أن الحرية أساسا هى حرية الفرد , وهى نفسها الحرية التى جاءت رسالات السماء لتقررها لكل فرد حيث يكون مسئولا حقا عما قدمت يداه وهو بين يدى الله يوم النشور .لكن قومأ أخرين يتعجبون أذ هم لايرون كيف تكون حرية الا لكتلة الشعب معجونة كلها معا فى عجينة واحدة .
أن الحرية عند الاولين هى أخر الامر أن يعبر المواطن عن نفسه فكرا وعقيدة وسلوكا ولا تقيده فى ذلك الا ضوابط تستهدف فى النهاية المطاف أن يتاح للانسان الحر أن ينعم بذلك التعبير عن ذات نفسه , وأما الاخرون فلا يخجلهم أن يقولوها صريحة , وهى أن الحرية فى أخر التحليل - هى أن يأمن كل مواطن على رغيف الخبز ..............
جاءت معى تلك المقارنات استطرادات طبيعا , فى تلك الجلسة الهادئة التى بدأتها بموقف المناظرة الشعرية التى دارت بين الشاعر والامير (أو لعله الخليفة) حول أن يكون صاحب الرى ذا تدبير أو أن يكون ذا عزيمة , ثم أخذ تعاقب المعانى ينتقل بى من موضوع الى موضوع , وكان الرابط بين مختلف الموضوعات التى طرقتها, هو اختلاف الناس فى فهم الكلمات التى يستخدمونها , ثم ما هم الا أ، ينقلهم الوهم الى الاعتقاد بأنهم انما يختلفون على حقائق الواقع , وحقائق الواقع هى هى , لكن كلا منهم يريد أن يأخذ جانبا منها دون جانب , ويظن مع ذلك أنه أخذها جميعا واستوعبها من شتى أطرافها .. ولبثت خواطرى تلك تنساب بى من مجال للحديث الى مجال , انسيابا طليقا لايقيده هدف محدد أبتغى الوصوال اليه , لكن الله العليم الخبير شاء لى أن يتحول معى ذلك الانسياب الحر الى موقف جاد وحاد : وكان ذلك عندما طرق على الباب زائر عاد لتوه من سفر ولا أعرف ماذا كانت مناسبة الحديث التى ظهرت فيها فكرة التطرف الدينى , وقد يكون زائرى نفسه هو الذى افتعل ظهورها افتعالا : ليقول لى فى شئ من الرعشة العصبية المكشوفة : لست أفهم كلمة التطرف يوصف بها متدين , فالمتدين الحق متمسك بدينه ,لا زيادة ولا نقصان .
أنه انسان يلتزم الخط الدينى , وخط الين خط واحد . والامر بعد ذلك يكون فى أفراد الناس هو : اما سائر على هذا الخط واما منحرف عنه , فاين يكون فى هذه الصورة الواضحة من هو معتدل ومن هو منحرف ؟
قلت لزائرى : قد فاتتك تفرقة مهمة بين طرفين , هما "الدين" كما هو مثبت كتابة المزال من جهة , و "المتدين" بذلك الدين من جهة أخرى . فبينما الكتاب "واحد" فان المتدينين به كثيرون. وليس هو من الامور الشاذة فى طبيعة الناس , أن يختلفوا فى طريقة فهمهم لنص واحد قرءوه : وهذا هو ما حدث بالفعل للمسلمين (كما حدث مثله فى أتباع الديانات الاخرى جميعا ) .
فالمسلمون متفقون على الكتاب الكريم , لكنهم مختلفون فى فهمهم لبعض أياته : ومن هنا نشأت المذاهب المتعدة : ومن ثم يكون معنى التطرف ياصاحبى هو أن يأخذ المسلم بطريقة معينة فى الفهم , أو قل : بمذهب معين , ثم يعلن أنه هو وحده الصحيح ,وقد أخطأ الاخرون , ولو وقف أمره عند هذا الحد , لما كان عليه غبار لان معنى أن يأخذ أنسان بمذهب معين دون سائر المذاهب , هو أنه قد راى الصواب فى جانب المذاهب الذى اختاره , لكنه ينقلب "متطرفا" أذا هو أراد أن يحمل الاخرون بالقوة - كائنة ما كانت صورة القوة - على مشاركته فيما اعتقد .
بدات حديثى مع الزائر هادئ النبرة : ثم شعرت فى داخلى بالحرارة تزداد معى شيئا فشيئا , كأنما أحسست بأن موضوع التطرف فى حياتنا أكثر أهمية اشد خطورة , من أن يؤخذ بهذا الهدوء , فقلت لزائرى - وكان قد هم بالرد على شى مما قلتة - اسمع ياأخى ,أننى بحكم غارق السن بينى وبينك - على الاقل - أستأذنك فى مواصلة حديثى , لافتح عينيك على حقيقة : "المتطرف" فى مجال الدين أو فى أى مجال غير الدين :
أولا - ليس ما يؤخذ على المتطرف أنه قد اختار لنفسه وجهة نظر يرى الافكار والمواقف من خلالها . لا, فهذه - على العكس - علامة نضج . وكذلك ليس ما يؤخذ عليه أنه أنه يحاول أقناع الاخرين بمشاركته فى وجهة نظره , لان تلك المحاولة منه أنما هى علامة ايمان بصدق ما راى . لكن الذى يؤخذ عليه حقا هو أرهابه للأخرين , لارغامهم على قبول ما يدعو اليه هو وزمرته , ففى ذلك الارهارب جوهر التطرف.
ولاضرب لك مثلا على ذلك من التاريخ : فأنه لما نشبت الحرب بين الامام على - كرم الله وجهه - وبين معاويه ,على الحق فى أمارة المؤمنين لمن تكون , كان الموقف يتضمن رأيين فى أحقية الخلافة .
أولها : أن أل النبى - عليه الصلاة والسلام - أحق من غيرهم بها , وفى هذه الحالة تكون الاحقية لعلى , فضلا عن أن
عليا قد بويع بالفعل . والراى الثانى : هو أن أحقية الخلافة جائزة لكل ذى أصل عربى , سواء أكان من أل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم لم يكن , وفى هذه الحالة لم يكن ثمة ما يمنع أن يتولاها معاوية أذا توافرت له البيعة . فلما ثارت فى قلب المعركة مسألة الاحتكام الى الكتاب الكريم , فى فض الخلاف بين الفريقين المتحاربين , تطورت الحوادث سريعا أدى الى أن يعلن بعض انصار الامام على - كرم الله وجهه - خروجهم عليه , اعتقادا منهم بأنه لم يكن حاسم الرأى فى مسالة الاحتكام الى الكتاب , وأطلق على هؤلاء المعارضين اسم "الخوارج".
ولم يلبث هؤلاء الخوارج أن كونوا لانفسهم وجهه نظر شاملة , كان منها راى فى أحقية الخلافة , فلا هم سلموا بأولوية أل البيت فى ذلك الحق على سواهم ,ولا هم وافقوا على أن يقصر ذلك الحق على من كان ذا أصل عربى من بين المسلمين الاكفاء للخلافة , وخرجوا براى ثالث , هو أن كل مسلم له حق الحكم مادام ذاقدرة معترف بها , دون أن يكون بالضرورة من أصل عربى , أو ان يكون بالتفضيل من أل البيت : فأذا ضممنا هذا الرأى الى غيره من أرائهم , ونظرنا اليها فى ذاتها , فربما وجدنا وجهه نظر الخوارج خالية مما يؤخذ عليهم , فهى وجهه نظر لاتقل عن سواها من وجهات النظر : أذن فلماذا نفرت منهم الامة الاسلامية ,ولاتزال تنفر من مجرد ذكرهم ؟! كانت العلة فى تطرفهم بالمعنى الذى أسلفته عن التطرف : وهو اللجؤ الى القسوة العنيفة ,أرهابا لكل من وقعت عليه أيديهم حتى يوافق على وجهه نظرهم , وان لم يفعل قتلوه بأفظع صور القتل وأبشعها .
ولابد أن نضيف هنا حقيقة عنهم لتكتمل الصورة أمام القارئ , وهى أنهم كانوا لا ينقطعون عن عبادة الله لحظة واحدة , ويديمون الصلاة , حتى لقد كانوا يعرفون بما كانت تتقرح بهم جباههم من السجود على حصباء الارض العارية . فالخوارج - كما ترى - قد أغضبوا الامة الاسلامية على طول التاريخ الاسلامى كله , لا لمجرد أن لهم وجهه نظر اسلامية خاصة , ولا لانهم قصروا فى عبادة الله , بل هم أغضبوها بتطرفهم حين يكون معنى التطرف لجؤ صاحبه الى الارهاب , فلا هى الموعظة الحسنة بتطرفهم وسيلتهم , ولا هى الجدل بالحجة تقارع الحجة , ولا هى الحكمة : وتلك الوسائل الثلاثة هى وحدها المذكورة فى القرأن الكريم .
ثانيا : اذا كان اتخاذ الارهارب وسيلة لارغام الخصوم , هو العلامة الحاسمة التى تتميز المتطرف عمن سواه : كان محالا أن يلجأ اليه أنسان قوى واثق بنفسه وبعتقيدتة , وانما يلجأ اليه من به ضعف فى أيه صورة من صوره ,لماذا؟ لان الانسان أذا أحس فى نفسه ضعفا , تملكه الخوف من أن يطغى عليه أصحاب المواقف الاخرى .
وكأى خائف أخر ترى المتطرف هلعا جزوعا ,.يسرع الى أقرب أداة للفتك بخصمه أذا استطاع قبل أن تتسع الفرصة أمام ذلك الخصم . وليس هذا النزوع العدوانى مقصورا على المتطرف فى الدين , بل هو نزوع نلحظه فى كل ضروب التطرف الاخرى .
فأذا أحدثت جماعة انقلابا فى بلدها , تولت على أثره مقاليد الحكم فى ذلك البلد , فانما على الارجح لاتتريث قبل أن تنزل على من تتوخى فيهم المعارضة , كل ضروب التنكيل والتعذيب تخلصا منهم أولا , ليكونوا عبرة لغيرهم ثانيا .
ثالثا : لا يتطرف بالمعنى الذى حددناه للتطرف : الا من حمل على كتفيه رأسا فارغا وخاويا , اللهم الأ أضغاثا دفع بها الى ذلك الرأس , عن فهم أو عن غير فهم , وذلك لسببين يأتيان على التعاقب فى خطوتين : فمن جهة أولى , لاتكون الافكار التى شحن بها رأسه علمية بأى معنى من المعانى , أذ الفكرة العلمية لا
هى تتطلب أن يتعصب لها أحد بالتطرف فيها , ولا الأخد بما يشعر فى نفسه بأى حافز يحفزه الى ذلك : لانها ما دامتفكرة علمية فهى مقطوع بصوابها من ناحية ,وخالية من أية شحنة انفعالية , من ناحية أخر .
وهنا نتقل الى الخطوة الثانية : وهى أن ما يمتلىئ به رأس المتطرف , مادام لايمت الى العلم بصلة فلابد - أذن - أن يكوم فيه الخصائص المضادة لخصائص العلم , ومنها حرارة الانفعال , وغموض المعنى , واحتمال أن تتعدد فيها وجهات النظر فى فهمها وتأويلها واغتراف جانب من جوانبها مع أهمال الجواب الاخرى .
وهذه الخصائص كلها عليها , أذا كان رأس حاويها فيه القدارة الناقدة , وموضوعية النظر , بحيث أذا تقدم اليه ناقد بنقد شئ مما فى رأسه , لم يقابلة بالثورة الغاضبة , وبالتهديد بالقتل أو الضرب , بل أنصت الى نقده بعقل مفتوح . وما دمنا قد حددنا معنى التمرد باقترانه بالارهاب الأهوج , تحتم أن يكون رأس المتطرف قد خلا من الضوابط التى تمكنه من مخالفة الاخرين لوجهة نظره .
رابعا : لقد تساهلنا فيما أسلفناه , حين جعلنا التطرف فى أى مجال , وجهة نظر , لان من كانت له وجهة للنظر ثبت عليها وراى كل شئ من خلالها ..
لكن التطرف فى حقيقته الدفينة "حالة" من حالات التكوين النفسى , تجعل صاحبها لان يتطرف وكفى : فليس المهم هو الموضوع الذى يتطرف فيه , بل المهم فى تكوينه هو أن يتطرف للتطرف فى حد ذاته , ومن هنا رأينا أمثلة كثيرة لمتطرفين يقفزون بين يوم وليلة من تطرف فى فكرة الى تطرف فى الفكرة التى تناقضها : فنراه اليوم - مثلا - متطرفا فى رؤية أسلامية معينة , ثم نراه غدا متطرفا فى رؤية شيوعية , مع أن الاسلام والشيوعية ضدان لا يلتقيان .
أن المريض بالتطرف لايعرف وهو بالتالى لايعرف بأنه مريض , شأنه فى ذلك
شأن المرضى بسائر الآمراض النفسية .
وإذا كاشفت المتطرف الدينى مثلا بحقيقة حالته , أجابك بأنه انما يسير على الخط الدينى . فماذا يعنى التطرف فيمن يتمسك بدينه ويلتزم أوامره ونواهيه ؟ قال زائرى : هذه أشارة الى ما قلته لك عن نفسى فى أول الحديث , نعم اننى ملتزم خط الدين , وفق ما تعلمت وما علمت بـنه الدين الصحيح , فقل لى ماذا تريد أن أفعل ؟
قلت : لا أريد لك أن تغير من أمر نفسك شيئا , ألا أن تتذكر كلما رأيت أحد يلتزم دينه مع اختلاف فى تفصيلات الرؤية والفهم والتأويل , بأنه هو الآخر يمارس دينه كما تعلم وعلم بأنه الخط الصحيح , فأما تركته وشأنه وضميره , واما دخلتها معا فى حوار هادئ , منتج , أمين.
زى نجيب محمود

ليست هناك تعليقات: