السبت، 31 ديسمبر، 2011

أنا المسجد و الساجد

أنا المسجد والساجد
روى لى الراوى فقال : أتذكر روضة "ريجنت" فى لندن ؟ أنى لآعلم كم
أنفقت فى أيامك الخوالى من ساعات فى تلك الروضة الفسيحة الجميلة , وأعلم أنها
كانت لك المنتزه , والملاذ والمحراب . فلما أقيم المسجد على حافتها , ازدانت به الروضة . وأزدادت وقارأ على وقارها . ولآنى أعلم عن صلتك بتلك الروضة ,تعمدت أن أزورها , عندما قضيت بضعة أيام هناك - قضيتها فى مزيج من راحة وعلاج - وما أن بلغت الروضة , حتى أخدت سمتى نحو الأماكن التى أعلم أنها كانت أثيرة لديك , بادئا جولتى ببستان الورد . وفى ركن ظليل من أركانه , جلست على الكنبة الخشبية , وهى الكنبة التى اعتدت أنت الجلوس عليها .. أنتى يا أخى لآ أعرف لذلك البستان - بستان الورد - فى روضة "ريجنت" شبيها.
ولم ألبث فى خلوتى تلك الا دقائق , حتى جاء ليجلس معى على الكنبة رجلان هنديان ملتحيان , وأخذا يتحدثان بالانجليزية ولم أنصت , ولكن لم يكن فى وسعى ألا أن تسمع أذناى , فلما سمعت فى حديثهما كلمة "المسجد" تتردد أنصت لأرهف السمع , فكان ختام حديث الرجلين هذا السؤال وجوابه :
- أذاهب أنت معى إلى المسجد ؟
- ياصديقى أنا المسجد وأنا الساجد معا .
وانصرف صاحب السؤال - ولم تمض خمس دقائق , انصرف كذلك صاحب الجواب . فماذا تظنه يعنى بقوال أنه المسجد وأنه الساجد معا ؟ فلولا أنتى رأيت وجهه مضيئا بتقوى العابدين , لقلت أن الرجل أنما أن يعفى نفسه من شئ لا يحبه . فماذا تقوال فى معنى عبارته تلك ؟
قلت لصاحبى : لقد كان الرجل قوى التعبير واضح المعنى . فلقد أراد يقوال لزميله أنه أنما يعبد الله أنى كان وأينما كان . أنه يعبد الله قياما وقعودا وعلى جنبه .نعم , أنه يؤم المسجد "المبنى" مع من يؤمه من المسلمين , لكنه حتى وهو فى المسجد "المبنى " يجعل من ذاته مسجدا داخل المسجد , بمعنى أن يستغرق وجوده فى عبادته . فكم هم كثيرون كثرة تذهلك , أولئك الذين يؤدون صلاتهم فى بيت الله فترى الواحد منهم قائما بجسده ركعا بجسده ساجدا بجسده , وأما عقله كله وقلبه كله فشاردان هناك فى الآفق البعيد يحسبان المكسب والخسارة ويكملان رسم الخطة التى يعدانها ليكيدا للخصوم , وعندئذ يتحول المسجد فى حياتهم ليصبح مكانا كأى مكان أخر يرونه صالحا للتدبير والتخطيط . وأما صاحبنا الهندى بتعبيره القوى ومعناه الواضح , فقد أراد لبدنه أن يكون مسجدخ حتى وهو فى المسجد , لكيلا يفلت منه زمام عقله أو تشرد الأهواء بقلبه . وحتى لو أخلص العدبد لعبادته وهو فى المسجد , مرخيا لنفسه العنان قبل ذلك . وبعد ذلك كان بمثابة من وضح عقيدته الدينية بين قوسين ... وأمافيما قبل القوس الأول وبعد القوس الأخير , فهو مطلق السراج . فيجئ التعبير الذى عبر الهندى التقى عن ذات نفسه ليلفت أنظارنا لى وجوب أن تستمر معنا تقوى الله , قبل المسجد وفى المسجد وبعد المسجد , ولكن كيف ؟
قبل أن أعرض ما أريد عرضه , يحسن أن أضع بين يدى القارئ أمثلة قليلة تصور له السلبية المميتة , وما هو أشر من السلبية المميتة التى يريد لنا نفر من قادة الرأى أن نفهم اسلامنا علىضوئها .
أولا - يجمل بنا أن نضع نصب أعيننا تلك الحقيقة المرة , وهى أن الرقعة الجغرافية المتصلة والممتدة من أندوينسيا شرقا الى المغرب غربا مرورا بباكستان وأفغانسستان وأيران والوطن العربى وأقطار من أفريقيا , هذه الرقعة الجعرافية بأسرها والتى هى الموطن الأساسى للشعوب الأسلامية , توشك أن تكون فى مجموعها أقل بلاد الدنيا نصيبا من التقدم بأى مقياس نختاره لنقيس به من تقدم من الشعوب ومن تأخر , اللهم الأ أذا اخترنا "الأسلام" فى ذاته على أنه هو نفسه "التقدم" , مهما يكن نصيب المسلمين بعد ذلك من التعليم , ومن الانتاج الاقتصادى , من مستوى المعيشة , ومن الابداع فى الادب والفن , ومن الاضافة الحقيقية الى العلم وما يتفرع عنه ... فاذا رأينا أن تلك هى الحقيقة المرة , أفلا ينبغى لضماترنا أن تتأرق لتدفعنا دفعا الى جدية النظر وجدية التفكير وجدية العمل سائلين أنفسنا : لماذا ؟ ثم ألا يجوز أن نجد بعض الجواب متضمنا فى ذلك التعبير القوى , وهو أن المسلم لم يجعل من نفسه "مسجد وساجدا" قبل المسجد وفى المسجد وبعد المسجد ؟
ثانيا - أنه بغير أدنى شك , لابد للمسلم - شأنه فى ذلك شأن أى مؤمن بأى عقيدة دينية أخرى - أن يكون "عابدا" بما تضعه له عقيدته من صور العبادة ..وفى هذا الصدد نسأل - جادين ومخلصين - أفلا ينبغى للمسلم أن يتدبر فى روية وفى عمق قوال الله سبحانه : (وما خلقت الجن والانس ألا ليعبدون) ؟ فما هو ذلك الجانب من حياة الانسان الذى يظل قائما مع الانسان , ما أمتدت لذلك الانسان حياة واعية ؟ أيمكن أن يكون المقصود بالعبادة مقصورا على العبادة المعرفة من صلاة وصوم وغيرهما ؟ نعم - أن هذه الصور المعرفة هى أركان الاسلام, لكنها موقوته , فماذا عسبى أن تكون صورة العبادة قبل تلك الأوقات وبعدها ؟ ماذا عسى أن تكون الصورة المقصودة بالعبادة , حين نعلم من القرأن الكريم أن الآنسان ما خلق الأليبعد ؟ أن المسلم كاتب هذه السطور لايرى
- بكل التواضع الذى يستطيعه أنسان - لايرى الأ أن تكون العبادة التى ما خلقنا ألا لآدائما أنما هى - ألى جانب الأركان المعرفة - اجتهاد فى سبيل معرفة الأنسان لربه , عن طريق معرفته لمخلوقات ربه . فهاهنا نستطيع أن نتصور صور من الدأرب الءوب لايفتر لخظة على طول الحياة الواعية , محاولا أن "يعرف" ثم "يعرف مزيدا"ثم يعرف مزيدا من المزيد الى أخر نفس يلفظه الآنسان المجتهد فى تحصيل المعرفة أذا جاءه أمر ربه .. على أن هذه النقطة من نقاط حديثى هى التى سوف تكون أحدى ركيزتين أساسيتين سيكونان المحور الرئيس للموضوع كله .
ثالثا - وهذه نقطة متصلة بما أسلفته لتوى, أذكرها راجيا أن تتسع صدورنا لما يقوال بعضنا لبعضنا , فكلنا طلاب حقيقة نسعى الى أدراكها زالى العمل بمقتضاها , ولا ضير فى أن يصحح أحدنا الآخر , بل لابد أن يصحح أحدنا الآخر لتتحرك حياتنا الفكرية نحو ما هو أصبح وأكمل , وا لا فمنذا الذى يدعى لنفسه سعة من العلم لانتهى حدودها وعصمة من الخطا لاموضوع فيها للزلل والخطا ؟ وانى أذ أقول ذلك , فانما أقواله وفى ذهنى أمثلة حية مما قرأته أوسمعته لعلماء منا .
لا أشك لحظة فى فضلهم وفى أخلاصهم وسلامة طويتهم , لكننى فى الوقت نفسه أشك كل الشك فى فى سداد ما يكتبونه أحيانا وما يذيعونه فى الناس , وذلك حين أشعر فى قوة ووضوح أن مؤدى ما يقولونه فى موضوع "العبادة" قد يفهمة الآخذون عنهم على أنها عبادة السكون والقعود وازهد والرضا بالقليل من دنيا "العلم " ومن دنيا "العمل" . وكان أخر ما سمعته فىهذا الباب ما أذاعه أستاذ جليل عن "القدس" وكيف تكون سبيلنا الى تحريرها من قبضة أسرائيل , اذ قال أن الوسيلة هى "العبادة" . والشرط الذى اشترطه فضيلته لتلك العبادة هو أن تعم الأمة الأسلامية كلها لأتقتصر على نفر منها دون الأخر . ولو أن فضيلته قصد "بالعبادة" ذلك المعنى الواسع الذى سأجعله موضوعا لحديثى بعد قليل , لكان قواله صوابا . لكنه قال قواله ذاك فى سياق لايجعل للعبادة معنى فى أذهان السامعين الأما هو معرف من "أركان" الأسلام الخمسة . أى أنه يكفى المسلمين أن يقيموا الصلاة ويؤدوا الزكاة ويصوموا رمضان ويحج منهم من هو قادر على الحج , وذلك كله بعد شهادة أن لا أله أ لا الله وأن محمدأ رسول الله, فيخرج الاسرائيليون من القدس . لقد سبق لكاتب هذه السطور أن ذكر سامعيه (فى محاضرة عامة ألقاها فى تونس ) , كما ذكر قراءه (فى مقالة له ), ذكر أولئك وهؤلاء بأن أركان البنا لابد أن تقام قوية وراسخة . لكن فى البنا الى جانب "الأركان" غرفا وجدرانا , ومن تلك الغرف والجدران أن يكون المسلم عابدا بعلمه وباستخدامه لذلك العلم فى السلم أذا كان السلم وفى الحرب أذا كانت الحرب , وبهذا الجانب من العبادة تخلو القدس من الغاصبين .
ربما كنت بتلك النقاط الثلاث ,قد مهدت الطريق الى ما أريد عرضه تعليقا وتوضيحا لتلك العبارة التى قالها ذلك المسلم من أبنا الهند , حين أجاب صاحبه الذى سأله أن كان راغبا فى مرافقته الى المسجد أذ أجاب قائلا : ياصديقى أنا المسجد وأنا الساجد معا , لله سبحانه وتعالى .. عند المسلم كتابان : القرأن الكريم وهذا الكون العظيم الذى يحيط بنا ونسكن كوكبا من ملايين كواكبه وأنجمه . وذلك لاينفى أن يكون الكتاب الثانى محكوما بالكتاب الآول , بمعنى أن "الكلمة" تسبق فعلها , و "كن" يتبعها أن "يكون" . من القرأن الكريم يستمد المسلم - بين ما يستمده - المبادئ والقواعد التى يقيم حياته السلوكية على أسسها ,ومن كتاب الكونيستمد المسلم (وغير المسلم ) قوانين "العلم" التى على أساسها وفى حدود ما يعلمه منها يصنع الغذاء ويصنع الدواء وينسج الثياب ويبنى المساكن ويقيم الجسور ويصوغ المعادن أدوات لعيشه وسلاحا لحربه الى أخر ألوف الألأف من صنائعه أن كان لتلك الصنائع أثر . وكلا الكتابين مقروء للناس بمقادير ودرجات تتفاوت بتفاوت أفراد الناس فى قدرتهم على القراءة . ولكل من الكتابين لغته التى لابد أن تدرس دراسة دقيقة وعميقة ,حتى يتمكن الدارس من استخلاص ما ظهر من مضمونها وما بطن .ولذلك كان لكل من الكتابين علماؤه المتخصصون الذين يجب أن يكونوا مرجعا يلوذ من أراد العلم من غير المتخصصين , الا أنه من المألوف للناس أن تكون لغة القرأن الكريم هى اللغة العربية , لكنه ليس من المألوف عندهم أن يقال أن لظواهر الكون لغاتها , وهى اللغات التى يحتال على قراءتها الباحثون عن أسرار تلك الظواهر , أى أنهم باحثون عن قوانينها . غير أن لغات الظواهر الكونية أقرب ألى ما يسمونه "بالشفرة" أو هى أقرب الى الكتابة بمداد غير مرئى للعين ألا اذا عولج بمواد معينة فيظهر للعين بعد خفاء . واحتيال العلماء على ظواهر الكون حتى يكشفواعن أسرارها هو نفسه الذى نطلق عليه اسم "المنهج العلمى " فى البحث , والا فكيف قرأ علماء الضوء ما استكن فى ظاهرة الضوء بحيث استطاعوا أخر الأمر أن يطوعوه لأغراضنا ,فكان لنا تلك المصابيح التى نستضئ بضوئها , كما كان لنا أجهزة أخرى كثيرة كالتليفزيون وغيره ؟ وكيف قرأ علماء "الصوت" وعلماء "الكهرباء" وعلماء "الجاذبية" وعلماء هذا وعلماء ذلك , كيف استطاع كل هؤلاء العلماء , أن يقرءوا تلك الكائنات جميعا ليستخرجوا ما كان مكنونا من سرها فطوعوها , وأصبحت حياةالناس كما نراها بوسائلها وأجهزتها ولم يعد فى مستطاع أحد أن يتصور لنفسه حياة بغيرها .. ؟ ولقد كان هؤلاء العلماء فى جهدهم وجهادهم يعبدون الله الذى خلق الكون وأمر عباده أن يتفكروا فى خلقة ذاك , حتى يكشفوا ما استطاعوا الكشف عن كنزه المستور .
قل لى - بالله - يا أخى أين هو المسلم الواحد الذى لايفخر ويفاخر بأبائه المسلمين فيما قالوه وما فعلوه خلال القرون العشرة الاولى من تاريخ الاسلام والقرون الاربعة الاولى منها على وجه الخصوص ؟ واذا كان هذا هكذا - فتعال معا نحلل العوامل اأساسية التى جعلت تلك القروت الأولى مختلفة عما تلاها الى يومنا هذا . أن الأسبقية وحدها لآيكفى للتعليل , ولا بد أن يكون الفرق كامنا فيما أداه أولئك وما يؤديه هؤلاء . وأذا أذنت لى بأن أدلى بين يديك برأى عاجل , ولكنة شامل , لقلت أن الفارق الرئيس بين الفترتين أنما هو أن الأولين عنوا بالكتابين معا : القرأن الكريم والكون العظيم , معترفا لك بأن القرأن الكريم قد ظفر منهم بالاهتام الأكبر , مما كان ينبغى أن يؤدى بنا ألى نتيجة هامة لو كنا حريصين على أن نكون مع أسلافنا استمرارية تاريخية أيجابية وفعالة وتلك النتجة هى أن نعتمد لى حد كبير على دراساتهم القرأنية لنجعل لدراسة "العلوم" الكونية فرصة أوسع .
أننا حين نعتز بأسلافنا ترانا لآنقصر الأمر على فقهاء الدين منهم , بل نحرص
على أن نضيف الأسماء اللامعة لعلماء الرياضة وعلماء الطب وعلماء الكيمياء وعلماء الفلك والمؤرخين والرحالة فضلا عن الشعراء والنقاذ والفلاسفة . فهؤلاء جميعا قد وجهوا جهودهم نحو الكون , يقرءون ظواهره ليصفوها وليحللوها وليستخرجوا قوانينها , ثم أصابنا الجمود منذ القرن الخامس عشر الميلادى . ففى الوقت الذى كانت فيه أوروبا قبل ذلك لم تكد تتجه بنظرة واحدة نحو تلك العلوم , (وهذا الحكم منصب بالطبع على ما بعد العصر اليونانى) وكان أسلافنا المسلمون وحدهم هم فرسان الميدان , تحول الموقف تحولا حادا بعد ذلك التاريخ , فاتجهت أوروبا بكل عقولها وقلوبها نحو طبيعة الظواهر الكونية يدرسونها , ووقفنا نحن وقفة الأشل , فلم يتبق لنا من ميادين الدراسة شئ الأ ان يعيد الدارسون ما كتبه الأولون متصلابالقرأن الكريم , فلا هم أضافوا شيئا فى هذا المجال , ولا هم بالطبع أنفقوا من وقتهم ساعة واحدة يدرسون فيها ظاهرة من ظواهر الكون .
وأذا شاركننى هذا الرأى , انفتح الطريق أمامنا نحو الوسيلة التى ننهى بها مأساتنا .
فهى - كما نرى - أن نجعل أسلامنا على نحو ما كان اسلام الأسبقين فيما يختص بالحياة العلمية . فقد كان عالم الرياضة أو عالم الطب أو عالم الكيمياء ألخ مسلما عالما , لا "مسلما وعالما " بأضافة واو العطف بين الصفتين , بمعنى أن اهتمامه بالفرع الذى يهتم به من فروع العلم الرياضى والطبيعى كان جزاءا من أسلامه , أو بعبارة أخرى , كانت العبادة عنده ذات وجهين : بالوجه الأول منهما يعبد الله بالأركان الخمسة , وبالوجه الثانى منهما يبحث فى خلق السموات والأرض وما بينهما كما أمره القرأن الكريم . وبهذه النظرةنفسها يكون مخرجنا من مأساتنا وهى المأساة التى جعلت الأمةالأسلامية على حالتها من الضعف , كما أسلفنا القول فى ذلك .
وأذا اتجه المسلمون بأيمان راسخ وعميق نحو دراسة "العلوم" , لا من حيث هى "مذكرات" تحفظ , بل من حيث هى ضرب من عبادة الله عز وجل لأنها نظر فى خلق الله , لاستطاعوا أن يتميزوا فى هذا المجال بالقياس الى علماء الغرب . لماذا ؟ لأنهم بحكم أسلامهم موجهون نحو "التوحيد" بكل معنى من معانية , فتوحيد الله سبحانه وتعالى عند المسلم , لو أخذ مأخذا بصيا - لاستتبع عند المسلم توحيدا لشخصيته هو وتوحيدا للكثرة الظاهرة فى كائنا العالم , بحيث تنخرط كلها فى "لون" واحد متكامل الأجزاء .
وكلا الجانبين من التوحيد , وأعنى توحيد الشخصية الانسانية وتوحيد العلوم المختلفة التى تبحث فى ظواهر الكون توحيدا يعود بها الى مبدا واحد , أقول : أن كلا الجانبين من التوحيد غائب أو كالغائب عن الحياة الفكرية فى عصرنا التى هى حياة انفرد بها حتى اأن علماء الغرب .
وما ينفك أدباء الغرب ومفكروه يشيرون الى هذا النقص الخطير الذى الى كثير من أمراض العصر النفسية وعلى رأسها القلق والشعور بالاغتراب , وكأن الأنسان يعيش فى غير بيته ومع غير أسرته ,
نعم - لو أن المسلمين عبدوا الله من ناحية دراستهم لخلق الله بالاضافة الى عبادتهسبحانه وتعالى من ناحية الأركان الخمسة , لانتهوا الى ما يصح تسميته بالعلم "الأسلامى" . فالعلم لايصبح أسلاميا بهذا العبث الذى يطن فى أذاننا كل يوم حين نسمع صيحات تقول: نريد علم نفس أسلاميا , ونريد علم اجتماع أسلاميا , ونريد علم اقتصاد أسلاميا . كلا , لأن كل علم من هذه العلوم الجزئية لا يستطيع أ لا أن يكون علما لا تتغير صورته على أيد علماء اختلفت أوطانهم وعقائدهم , وانما يصبح العلم أسلاميا بالوقفة العامة التى ترتب بها العلوم الجزئية فى وحدة تضمها على نحو ما نتوقع من المسلم الحق أن يوحد بين عناصره الداخلية العاقلة منها وغير العاقلة فى ذات موحدة متسقة النغم متفقة الهدف . لكن هذا كله لايؤديه المسلم فى المسجد وحده , وانما يؤديه - كما قلت - قبل المسجد , وفى المسجد وبعد المسجد , فهل رأيت الأن ياصديقى , كيف يمكن أن تفهم عبارة المسلم الهندى التى قالها لزميلهحين قال : أننى أنا المسجد وأنا الساجد ؟ هذا , ولم أقل "شيئا" عن الركيزة الثانية فى حياة المسلم , ركيزة "الأخلاق" التى نزل بها القرأن الكريم , لينظم على أساسها أنماط سلوكنا فى حياتنا منفردة كانت تلك الحياة أو مجتمعة . ويغفر لنا هذا الحذف ضيق المقام أولا , ووضوح هذاالجانب فى أذهان الناس . أذ من الذى لايعرف أن المسلم الحق يحمل مبادئه الأخلاقية فى ضميره أينما كان يحملها قبل دخوله المسجد وبعد خروجه من المسجد - كما يحملها وهو يؤدى صلاته فى المسجد سواء بسواء.

المصدر كتاب زكى نجيب محفوظ ( ثقافتنا فى مواجهة العصر )

ليست هناك تعليقات: