السبت، 31 ديسمبر، 2011

متطرف تحت المجهر

متطرف تحت المهجر
لا أذكر من هو الشاعر , ولا من الخليفة أو الامير الذى قال الشاعر شعره بين يديه, لكن بيتى الشعر اللذين تبادلهما الشاعر والامير , فوضع كل منهما وجهة نظره فى بيت الشعر الذى ارتجله من وحى الموقف. فيبدو أن الامير
(أو لعله كان الخليفة المنصور) كان متسرعا يعجل الفعل قبل أن يتدبره فى روية وأناة: فوجه اليه الشاعر النصح فى بيت من الشعر ,مؤداه أن صاحب الرأى من واجبه أن يتدبر رأيه قبل أن ينتقل به الى مجال التنفيذ, أذ لا يفسد الرأى الا أن يتعجل صاحب الى الفعل قبل ان يستيقن من صواب ذلك الراى . وهنا أسرع الأمير (أو الخليفة) بالرد فى بيت الشعر , أجراه على منوالا البيت الذى قاله الشاعر , الأ أنه أخذ فيه بوجهة نظر مضادة , أذ قال : أن صاحب الراى ليس فى حاجة الى التدبر بقدار ما هو بحاجة الى العزيمة , اذ ليس ما يفسد الراى هو الاسرع به نحو التنفيذ , وانما يفسده أن يترد صاحب فى تنفيذه. وهذان هما البيتان:
قال الشاعر :
اذا كنت ذا رأى ,فكن ذا تدبر فإن فساد الرأى أن تتعجلا
فأجاب الامير :
اذا كنت ذا رأى فكن ذا عزيمة فأن فساد الرأى أن تترددا
واذكر أنى فى ساعة من ساعات الفراغ , أخذت ألهو فى هذين الموقفين من الحياة, فأيهما يا ترى أقرب الى الصواب؟ وهما موقفان كثيرا جدا ما نراهما يقسمان الناس صنفين: صنفا يتروى قبل التنفيذ , وصنفا أخر لا تكاد فكرة تطوف بخاطره حتى يسرع الى تنفيذها , والأغلب أن يكون الصنف الاول ممن أنضجته خبرة السنين , وعرف أن الرأى المعين فى الموقف العين , كثير جدا ما تقابله وجهات نظر أخرى تستحق الإلتفات إليها , والموازنة بينها , قبل الانتهاء الى قرار أخير , والأغلب أن يكون الصنف الثانى ممن لا يزال محكوما بانفعالاته وعواطفه من الشاب أو من هم فى حكم الشاب , فليست العبرة هنا بعدد السنين , وإنما العبر بغزارة الخبرة المحصلة أو ضحالتها .
وبعد مرجعات أقارن فيها بين الموقفين وأوازن : لمع الذهن بحل يجمع بين وجهتى النظر فى موقف واحد : فليس الصواب هو أن نجعل الامر بديلين , علينا أن نختار أحدهما وأن نترك الاخر : فأما أن نتدبر الراى ونتروى قبل العمل , واما أن نعزم عزيمتنا مسرعين الى العمل بلا تردد بين جانب الخطا منه وجانب الصواب . فحقيقة الامر - كما بدا لى - هى أن الطريق الى العمل ذو مرحلتين:
اولاهما مرحلة للتدبر , وثانيتهما مرحلة للعزيمة التى تهم بالفعل بناء على ما وصلت اليه المرحلة الاولى : فاذا راينا الناس وكأنهم منقسمون صنفين فى هذا الصدد , فما ذلك الأ أن صنفا منهم يقف عند المرحلة الاولى وحدها , وكأن امعان التدبر قد أصابه بالشلل , واما الصنف الثانى فى الذى يتجاهل المرحلة الاولى , ويجعل نقطة البدء والانطلاق معا فى المرحلة الثانية , وكلا الرجلين نصف انسان.
والامر ما , تواردت فى رأسى عند تلك اللمعة الذهنية ,ذكريات لاحصر لها , لمواقف كثر فيها اللغوبيننا , فى التفرقة بين ما نطلق عليه اسم "الكليات النظرية"
و "الكليات العملية" , وهو تقسيم لايجرى بدقة مجرى التقسيم الذى باعد المسافة بين الشاعر والأمير , الا أنه برغم ذلك يمت اليه بسبب , لآن شيئا شبيها بما قلناه عن وجوب الجمع بين تدبر الراى وعزيمة تنفيذه , ليكون مرحلتين لآبد أن يتكاملا معا فى الآنسان الواحد , نقوله كذلك فيما هو "نظرى" وما هو "عملى " من ضروب العلم , فكل "علم" عرفته الدنيا من أول التاريخ الذى عرف فيه الآنسان كيف يفكر على نهج العلم , هو "نظرى " أولا , وعملى ثانيا , أذا قسم "نظرية" أن تجد من ينقلها الى مجال التطبيق : والآ فيكيف يكون ؟ أبيدأ الآنسان بالخبط هنا والتخبط هناك بغير "فكرة" فى فكره ؟ أم أنه يبلور خبراته المتفرقة فى "فكرة" يقتنع بصوابها ثم يهم بتنفيذها : فأما طاوعه الواقع على فكرته , فتكون فكرته صحيحة , واما استعصى الواقع على فكرته فتكون فكرة خاطئة ؟ ولعل ما أضلنا عند القسمة الى "نظرى" و"عملى" فى كليات الجامعة هو خلط فكرى أفدح :
اذ حسبنا دراسة العلوم الانسانية أدخل فى باب "النظرى" غافلين عن أن النظرى هو ما يستند الى "النظرية" .
والنظريات بهذا المعنى , تعرفها العلوم الطبيعة أكثر مما تعرفها العلوم الانسانية , لسبب واضح - هو أنه قرينة الدقة عندما تعلو درجاتها .
واذا شئت فراجع ما شئت من بلاد الدنيا , لترى كيق تقسم فيها أنوع الدراسات , ولن نجد - فيما أعتقد - أحد سوانا نقل صفة "النظرى" من موصوفهاالحقيقى , وهو العلوم الطبيعة , الى غير موضوعها الاساسى المباشر ,وهى العلوم الانسانية . فهذه علوم مختلف على منهجها حتى اليوم :هل يكون هو نفسه منهج البحث فى العلوم الطبيعة , أو يكون لها منهج خاص؟ وذلك لان "النظرية"فى أى علم , أذا ما وجدت سبيلها الى دقة الصياغة , وغالبا ما تكون الصياغة الدقيقة فى صورة رياضية , كان ذلك دليلا على أن ذلك العلم قد بلغ مرحلة متقدمة من الدقة والقدرة على التنبؤ الصحيح فى مجاله.
ثم انعرجت بى الخواطر نحو الكليات الجامعية وأسمائها , فرأيت كم تعجل أولئك الذين أطلقوا الآسماء على غير مسمياتها : فالتى أطلقوا عليها اسم "كلية الآداب" لا تدرس أدابا بالمعنى المعرف لهذه الكلمة , ولا كان مقصودا بها أن تفعل - وأنما هى تدرس علوما اجتماعية , أو علوما انساية , فلماذا لم يسموها باسمها؟ و"كلية التجارة" لا تدرس تجارة, بل تدرس محاسبة وأدارة , فلماذا لم يسموها باسمها ؟ وكلية "الحقوق" تدرس القانون , فلماذا لاتسمى كلية القانون كما هى الحال فى سائر بلاد الدنيا ؟
ولكننى سرعان ما أووقفت هذه الخواطر متهكما , قائلا لنفسى : هذه الأ سماء كلها , وأن أطلقها من أطلقها على غير مسمياتها , فهى حتى وأن اختلف الناس حول معانيها , فلن يؤدى بهم ذلك الاختلاف الى قتال تسفك فيه الدماء .
وماذا أنت قائل فى مجموعات أخرى من الاسماء يفهمها الناس على أوجه مختلفة , ثم ينتهى بهم انقسامهم فى الفهم الى عراك, ينشب بينهم بالكلمات أول الامر ثم يتحول العراك الى ساحات الحرب ونيران المدافع ؟! فاسم "الديمقراطية" يطلقة فريق على نظام تتعدد فيه الاحزاب لتعدد وجهات النظر , ويطلقة قوم أخرون على نظام الحزب الواحد لواحدية الراى الذى لايجوز له عندهم ان يتعدد , فاذا قال الاولون : هذه هى الديمقراطية هى هذه وعلى العرافين , والمنجمين , وقراء الكف والفنجان , أن يكشفوا للناس وجه الحق بين الفريقين , قبل أن ينتقلا بالخلاف الى لغة الحديد والنار . وكل أنسان على كوكوب الارض يرفع لواء "الحرية", وهل شهد التاريخ كله حاكما واحدا يعلن عن نفسه أنه يحكم لغير الحرية ؟ أنه يقتل من أجل الحرية , ويزج فى السجون من أجل الحرية .
ولكن تعال فانظر اليهم , كيف يفهمونها على معان تختلف باختلاف العصور وباختلاف الشعوب فى العصور الواحد , تجد عجبا .
اننا هنا لا نريد أن نسى الظن بأحد . فكل يحب وطنه وأهله الى حد العشق والهيام , لكنالعلة هى فى فهم الناس للكلمات : فواحد يقول أن الحرية أساسا هى حرية الفرد , وهى نفسها الحرية التى جاءت رسالات السماء لتقررها لكل فرد حيث يكون مسئولا حقا عما قدمت يداه وهو بين يدى الله يوم النشور .لكن قومأ أخرين يتعجبون أذ هم لايرون كيف تكون حرية الا لكتلة الشعب معجونة كلها معا فى عجينة واحدة .
أن الحرية عند الاولين هى أخر الامر أن يعبر المواطن عن نفسه فكرا وعقيدة وسلوكا ولا تقيده فى ذلك الا ضوابط تستهدف فى النهاية المطاف أن يتاح للانسان الحر أن ينعم بذلك التعبير عن ذات نفسه , وأما الاخرون فلا يخجلهم أن يقولوها صريحة , وهى أن الحرية فى أخر التحليل - هى أن يأمن كل مواطن على رغيف الخبز ..............
جاءت معى تلك المقارنات استطرادات طبيعا , فى تلك الجلسة الهادئة التى بدأتها بموقف المناظرة الشعرية التى دارت بين الشاعر والامير (أو لعله الخليفة) حول أن يكون صاحب الرى ذا تدبير أو أن يكون ذا عزيمة , ثم أخذ تعاقب المعانى ينتقل بى من موضوع الى موضوع , وكان الرابط بين مختلف الموضوعات التى طرقتها, هو اختلاف الناس فى فهم الكلمات التى يستخدمونها , ثم ما هم الا أ، ينقلهم الوهم الى الاعتقاد بأنهم انما يختلفون على حقائق الواقع , وحقائق الواقع هى هى , لكن كلا منهم يريد أن يأخذ جانبا منها دون جانب , ويظن مع ذلك أنه أخذها جميعا واستوعبها من شتى أطرافها .. ولبثت خواطرى تلك تنساب بى من مجال للحديث الى مجال , انسيابا طليقا لايقيده هدف محدد أبتغى الوصوال اليه , لكن الله العليم الخبير شاء لى أن يتحول معى ذلك الانسياب الحر الى موقف جاد وحاد : وكان ذلك عندما طرق على الباب زائر عاد لتوه من سفر ولا أعرف ماذا كانت مناسبة الحديث التى ظهرت فيها فكرة التطرف الدينى , وقد يكون زائرى نفسه هو الذى افتعل ظهورها افتعالا : ليقول لى فى شئ من الرعشة العصبية المكشوفة : لست أفهم كلمة التطرف يوصف بها متدين , فالمتدين الحق متمسك بدينه ,لا زيادة ولا نقصان .
أنه انسان يلتزم الخط الدينى , وخط الين خط واحد . والامر بعد ذلك يكون فى أفراد الناس هو : اما سائر على هذا الخط واما منحرف عنه , فاين يكون فى هذه الصورة الواضحة من هو معتدل ومن هو منحرف ؟
قلت لزائرى : قد فاتتك تفرقة مهمة بين طرفين , هما "الدين" كما هو مثبت كتابة المزال من جهة , و "المتدين" بذلك الدين من جهة أخرى . فبينما الكتاب "واحد" فان المتدينين به كثيرون. وليس هو من الامور الشاذة فى طبيعة الناس , أن يختلفوا فى طريقة فهمهم لنص واحد قرءوه : وهذا هو ما حدث بالفعل للمسلمين (كما حدث مثله فى أتباع الديانات الاخرى جميعا ) .
فالمسلمون متفقون على الكتاب الكريم , لكنهم مختلفون فى فهمهم لبعض أياته : ومن هنا نشأت المذاهب المتعدة : ومن ثم يكون معنى التطرف ياصاحبى هو أن يأخذ المسلم بطريقة معينة فى الفهم , أو قل : بمذهب معين , ثم يعلن أنه هو وحده الصحيح ,وقد أخطأ الاخرون , ولو وقف أمره عند هذا الحد , لما كان عليه غبار لان معنى أن يأخذ أنسان بمذهب معين دون سائر المذاهب , هو أنه قد راى الصواب فى جانب المذاهب الذى اختاره , لكنه ينقلب "متطرفا" أذا هو أراد أن يحمل الاخرون بالقوة - كائنة ما كانت صورة القوة - على مشاركته فيما اعتقد .
بدات حديثى مع الزائر هادئ النبرة : ثم شعرت فى داخلى بالحرارة تزداد معى شيئا فشيئا , كأنما أحسست بأن موضوع التطرف فى حياتنا أكثر أهمية اشد خطورة , من أن يؤخذ بهذا الهدوء , فقلت لزائرى - وكان قد هم بالرد على شى مما قلتة - اسمع ياأخى ,أننى بحكم غارق السن بينى وبينك - على الاقل - أستأذنك فى مواصلة حديثى , لافتح عينيك على حقيقة : "المتطرف" فى مجال الدين أو فى أى مجال غير الدين :
أولا - ليس ما يؤخذ على المتطرف أنه قد اختار لنفسه وجهة نظر يرى الافكار والمواقف من خلالها . لا, فهذه - على العكس - علامة نضج . وكذلك ليس ما يؤخذ عليه أنه أنه يحاول أقناع الاخرين بمشاركته فى وجهة نظره , لان تلك المحاولة منه أنما هى علامة ايمان بصدق ما راى . لكن الذى يؤخذ عليه حقا هو أرهابه للأخرين , لارغامهم على قبول ما يدعو اليه هو وزمرته , ففى ذلك الارهارب جوهر التطرف.
ولاضرب لك مثلا على ذلك من التاريخ : فأنه لما نشبت الحرب بين الامام على - كرم الله وجهه - وبين معاويه ,على الحق فى أمارة المؤمنين لمن تكون , كان الموقف يتضمن رأيين فى أحقية الخلافة .
أولها : أن أل النبى - عليه الصلاة والسلام - أحق من غيرهم بها , وفى هذه الحالة تكون الاحقية لعلى , فضلا عن أن
عليا قد بويع بالفعل . والراى الثانى : هو أن أحقية الخلافة جائزة لكل ذى أصل عربى , سواء أكان من أل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم لم يكن , وفى هذه الحالة لم يكن ثمة ما يمنع أن يتولاها معاوية أذا توافرت له البيعة . فلما ثارت فى قلب المعركة مسألة الاحتكام الى الكتاب الكريم , فى فض الخلاف بين الفريقين المتحاربين , تطورت الحوادث سريعا أدى الى أن يعلن بعض انصار الامام على - كرم الله وجهه - خروجهم عليه , اعتقادا منهم بأنه لم يكن حاسم الرأى فى مسالة الاحتكام الى الكتاب , وأطلق على هؤلاء المعارضين اسم "الخوارج".
ولم يلبث هؤلاء الخوارج أن كونوا لانفسهم وجهه نظر شاملة , كان منها راى فى أحقية الخلافة , فلا هم سلموا بأولوية أل البيت فى ذلك الحق على سواهم ,ولا هم وافقوا على أن يقصر ذلك الحق على من كان ذا أصل عربى من بين المسلمين الاكفاء للخلافة , وخرجوا براى ثالث , هو أن كل مسلم له حق الحكم مادام ذاقدرة معترف بها , دون أن يكون بالضرورة من أصل عربى , أو ان يكون بالتفضيل من أل البيت : فأذا ضممنا هذا الرأى الى غيره من أرائهم , ونظرنا اليها فى ذاتها , فربما وجدنا وجهه نظر الخوارج خالية مما يؤخذ عليهم , فهى وجهه نظر لاتقل عن سواها من وجهات النظر : أذن فلماذا نفرت منهم الامة الاسلامية ,ولاتزال تنفر من مجرد ذكرهم ؟! كانت العلة فى تطرفهم بالمعنى الذى أسلفته عن التطرف : وهو اللجؤ الى القسوة العنيفة ,أرهابا لكل من وقعت عليه أيديهم حتى يوافق على وجهه نظرهم , وان لم يفعل قتلوه بأفظع صور القتل وأبشعها .
ولابد أن نضيف هنا حقيقة عنهم لتكتمل الصورة أمام القارئ , وهى أنهم كانوا لا ينقطعون عن عبادة الله لحظة واحدة , ويديمون الصلاة , حتى لقد كانوا يعرفون بما كانت تتقرح بهم جباههم من السجود على حصباء الارض العارية . فالخوارج - كما ترى - قد أغضبوا الامة الاسلامية على طول التاريخ الاسلامى كله , لا لمجرد أن لهم وجهه نظر اسلامية خاصة , ولا لانهم قصروا فى عبادة الله , بل هم أغضبوها بتطرفهم حين يكون معنى التطرف لجؤ صاحبه الى الارهاب , فلا هى الموعظة الحسنة بتطرفهم وسيلتهم , ولا هى الجدل بالحجة تقارع الحجة , ولا هى الحكمة : وتلك الوسائل الثلاثة هى وحدها المذكورة فى القرأن الكريم .
ثانيا : اذا كان اتخاذ الارهارب وسيلة لارغام الخصوم , هو العلامة الحاسمة التى تتميز المتطرف عمن سواه : كان محالا أن يلجأ اليه أنسان قوى واثق بنفسه وبعتقيدتة , وانما يلجأ اليه من به ضعف فى أيه صورة من صوره ,لماذا؟ لان الانسان أذا أحس فى نفسه ضعفا , تملكه الخوف من أن يطغى عليه أصحاب المواقف الاخرى .
وكأى خائف أخر ترى المتطرف هلعا جزوعا ,.يسرع الى أقرب أداة للفتك بخصمه أذا استطاع قبل أن تتسع الفرصة أمام ذلك الخصم . وليس هذا النزوع العدوانى مقصورا على المتطرف فى الدين , بل هو نزوع نلحظه فى كل ضروب التطرف الاخرى .
فأذا أحدثت جماعة انقلابا فى بلدها , تولت على أثره مقاليد الحكم فى ذلك البلد , فانما على الارجح لاتتريث قبل أن تنزل على من تتوخى فيهم المعارضة , كل ضروب التنكيل والتعذيب تخلصا منهم أولا , ليكونوا عبرة لغيرهم ثانيا .
ثالثا : لا يتطرف بالمعنى الذى حددناه للتطرف : الا من حمل على كتفيه رأسا فارغا وخاويا , اللهم الأ أضغاثا دفع بها الى ذلك الرأس , عن فهم أو عن غير فهم , وذلك لسببين يأتيان على التعاقب فى خطوتين : فمن جهة أولى , لاتكون الافكار التى شحن بها رأسه علمية بأى معنى من المعانى , أذ الفكرة العلمية لا
هى تتطلب أن يتعصب لها أحد بالتطرف فيها , ولا الأخد بما يشعر فى نفسه بأى حافز يحفزه الى ذلك : لانها ما دامتفكرة علمية فهى مقطوع بصوابها من ناحية ,وخالية من أية شحنة انفعالية , من ناحية أخر .
وهنا نتقل الى الخطوة الثانية : وهى أن ما يمتلىئ به رأس المتطرف , مادام لايمت الى العلم بصلة فلابد - أذن - أن يكوم فيه الخصائص المضادة لخصائص العلم , ومنها حرارة الانفعال , وغموض المعنى , واحتمال أن تتعدد فيها وجهات النظر فى فهمها وتأويلها واغتراف جانب من جوانبها مع أهمال الجواب الاخرى .
وهذه الخصائص كلها عليها , أذا كان رأس حاويها فيه القدارة الناقدة , وموضوعية النظر , بحيث أذا تقدم اليه ناقد بنقد شئ مما فى رأسه , لم يقابلة بالثورة الغاضبة , وبالتهديد بالقتل أو الضرب , بل أنصت الى نقده بعقل مفتوح . وما دمنا قد حددنا معنى التمرد باقترانه بالارهاب الأهوج , تحتم أن يكون رأس المتطرف قد خلا من الضوابط التى تمكنه من مخالفة الاخرين لوجهة نظره .
رابعا : لقد تساهلنا فيما أسلفناه , حين جعلنا التطرف فى أى مجال , وجهة نظر , لان من كانت له وجهة للنظر ثبت عليها وراى كل شئ من خلالها ..
لكن التطرف فى حقيقته الدفينة "حالة" من حالات التكوين النفسى , تجعل صاحبها لان يتطرف وكفى : فليس المهم هو الموضوع الذى يتطرف فيه , بل المهم فى تكوينه هو أن يتطرف للتطرف فى حد ذاته , ومن هنا رأينا أمثلة كثيرة لمتطرفين يقفزون بين يوم وليلة من تطرف فى فكرة الى تطرف فى الفكرة التى تناقضها : فنراه اليوم - مثلا - متطرفا فى رؤية أسلامية معينة , ثم نراه غدا متطرفا فى رؤية شيوعية , مع أن الاسلام والشيوعية ضدان لا يلتقيان .
أن المريض بالتطرف لايعرف وهو بالتالى لايعرف بأنه مريض , شأنه فى ذلك
شأن المرضى بسائر الآمراض النفسية .
وإذا كاشفت المتطرف الدينى مثلا بحقيقة حالته , أجابك بأنه انما يسير على الخط الدينى . فماذا يعنى التطرف فيمن يتمسك بدينه ويلتزم أوامره ونواهيه ؟ قال زائرى : هذه أشارة الى ما قلته لك عن نفسى فى أول الحديث , نعم اننى ملتزم خط الدين , وفق ما تعلمت وما علمت بـنه الدين الصحيح , فقل لى ماذا تريد أن أفعل ؟
قلت : لا أريد لك أن تغير من أمر نفسك شيئا , ألا أن تتذكر كلما رأيت أحد يلتزم دينه مع اختلاف فى تفصيلات الرؤية والفهم والتأويل , بأنه هو الآخر يمارس دينه كما تعلم وعلم بأنه الخط الصحيح , فأما تركته وشأنه وضميره , واما دخلتها معا فى حوار هادئ , منتج , أمين.
زى نجيب محمود

أنا المسجد و الساجد

أنا المسجد والساجد
روى لى الراوى فقال : أتذكر روضة "ريجنت" فى لندن ؟ أنى لآعلم كم
أنفقت فى أيامك الخوالى من ساعات فى تلك الروضة الفسيحة الجميلة , وأعلم أنها
كانت لك المنتزه , والملاذ والمحراب . فلما أقيم المسجد على حافتها , ازدانت به الروضة . وأزدادت وقارأ على وقارها . ولآنى أعلم عن صلتك بتلك الروضة ,تعمدت أن أزورها , عندما قضيت بضعة أيام هناك - قضيتها فى مزيج من راحة وعلاج - وما أن بلغت الروضة , حتى أخدت سمتى نحو الأماكن التى أعلم أنها كانت أثيرة لديك , بادئا جولتى ببستان الورد . وفى ركن ظليل من أركانه , جلست على الكنبة الخشبية , وهى الكنبة التى اعتدت أنت الجلوس عليها .. أنتى يا أخى لآ أعرف لذلك البستان - بستان الورد - فى روضة "ريجنت" شبيها.
ولم ألبث فى خلوتى تلك الا دقائق , حتى جاء ليجلس معى على الكنبة رجلان هنديان ملتحيان , وأخذا يتحدثان بالانجليزية ولم أنصت , ولكن لم يكن فى وسعى ألا أن تسمع أذناى , فلما سمعت فى حديثهما كلمة "المسجد" تتردد أنصت لأرهف السمع , فكان ختام حديث الرجلين هذا السؤال وجوابه :
- أذاهب أنت معى إلى المسجد ؟
- ياصديقى أنا المسجد وأنا الساجد معا .
وانصرف صاحب السؤال - ولم تمض خمس دقائق , انصرف كذلك صاحب الجواب . فماذا تظنه يعنى بقوال أنه المسجد وأنه الساجد معا ؟ فلولا أنتى رأيت وجهه مضيئا بتقوى العابدين , لقلت أن الرجل أنما أن يعفى نفسه من شئ لا يحبه . فماذا تقوال فى معنى عبارته تلك ؟
قلت لصاحبى : لقد كان الرجل قوى التعبير واضح المعنى . فلقد أراد يقوال لزميله أنه أنما يعبد الله أنى كان وأينما كان . أنه يعبد الله قياما وقعودا وعلى جنبه .نعم , أنه يؤم المسجد "المبنى" مع من يؤمه من المسلمين , لكنه حتى وهو فى المسجد "المبنى " يجعل من ذاته مسجدا داخل المسجد , بمعنى أن يستغرق وجوده فى عبادته . فكم هم كثيرون كثرة تذهلك , أولئك الذين يؤدون صلاتهم فى بيت الله فترى الواحد منهم قائما بجسده ركعا بجسده ساجدا بجسده , وأما عقله كله وقلبه كله فشاردان هناك فى الآفق البعيد يحسبان المكسب والخسارة ويكملان رسم الخطة التى يعدانها ليكيدا للخصوم , وعندئذ يتحول المسجد فى حياتهم ليصبح مكانا كأى مكان أخر يرونه صالحا للتدبير والتخطيط . وأما صاحبنا الهندى بتعبيره القوى ومعناه الواضح , فقد أراد لبدنه أن يكون مسجدخ حتى وهو فى المسجد , لكيلا يفلت منه زمام عقله أو تشرد الأهواء بقلبه . وحتى لو أخلص العدبد لعبادته وهو فى المسجد , مرخيا لنفسه العنان قبل ذلك . وبعد ذلك كان بمثابة من وضح عقيدته الدينية بين قوسين ... وأمافيما قبل القوس الأول وبعد القوس الأخير , فهو مطلق السراج . فيجئ التعبير الذى عبر الهندى التقى عن ذات نفسه ليلفت أنظارنا لى وجوب أن تستمر معنا تقوى الله , قبل المسجد وفى المسجد وبعد المسجد , ولكن كيف ؟
قبل أن أعرض ما أريد عرضه , يحسن أن أضع بين يدى القارئ أمثلة قليلة تصور له السلبية المميتة , وما هو أشر من السلبية المميتة التى يريد لنا نفر من قادة الرأى أن نفهم اسلامنا علىضوئها .
أولا - يجمل بنا أن نضع نصب أعيننا تلك الحقيقة المرة , وهى أن الرقعة الجغرافية المتصلة والممتدة من أندوينسيا شرقا الى المغرب غربا مرورا بباكستان وأفغانسستان وأيران والوطن العربى وأقطار من أفريقيا , هذه الرقعة الجعرافية بأسرها والتى هى الموطن الأساسى للشعوب الأسلامية , توشك أن تكون فى مجموعها أقل بلاد الدنيا نصيبا من التقدم بأى مقياس نختاره لنقيس به من تقدم من الشعوب ومن تأخر , اللهم الأ أذا اخترنا "الأسلام" فى ذاته على أنه هو نفسه "التقدم" , مهما يكن نصيب المسلمين بعد ذلك من التعليم , ومن الانتاج الاقتصادى , من مستوى المعيشة , ومن الابداع فى الادب والفن , ومن الاضافة الحقيقية الى العلم وما يتفرع عنه ... فاذا رأينا أن تلك هى الحقيقة المرة , أفلا ينبغى لضماترنا أن تتأرق لتدفعنا دفعا الى جدية النظر وجدية التفكير وجدية العمل سائلين أنفسنا : لماذا ؟ ثم ألا يجوز أن نجد بعض الجواب متضمنا فى ذلك التعبير القوى , وهو أن المسلم لم يجعل من نفسه "مسجد وساجدا" قبل المسجد وفى المسجد وبعد المسجد ؟
ثانيا - أنه بغير أدنى شك , لابد للمسلم - شأنه فى ذلك شأن أى مؤمن بأى عقيدة دينية أخرى - أن يكون "عابدا" بما تضعه له عقيدته من صور العبادة ..وفى هذا الصدد نسأل - جادين ومخلصين - أفلا ينبغى للمسلم أن يتدبر فى روية وفى عمق قوال الله سبحانه : (وما خلقت الجن والانس ألا ليعبدون) ؟ فما هو ذلك الجانب من حياة الانسان الذى يظل قائما مع الانسان , ما أمتدت لذلك الانسان حياة واعية ؟ أيمكن أن يكون المقصود بالعبادة مقصورا على العبادة المعرفة من صلاة وصوم وغيرهما ؟ نعم - أن هذه الصور المعرفة هى أركان الاسلام, لكنها موقوته , فماذا عسبى أن تكون صورة العبادة قبل تلك الأوقات وبعدها ؟ ماذا عسى أن تكون الصورة المقصودة بالعبادة , حين نعلم من القرأن الكريم أن الآنسان ما خلق الأليبعد ؟ أن المسلم كاتب هذه السطور لايرى
- بكل التواضع الذى يستطيعه أنسان - لايرى الأ أن تكون العبادة التى ما خلقنا ألا لآدائما أنما هى - ألى جانب الأركان المعرفة - اجتهاد فى سبيل معرفة الأنسان لربه , عن طريق معرفته لمخلوقات ربه . فهاهنا نستطيع أن نتصور صور من الدأرب الءوب لايفتر لخظة على طول الحياة الواعية , محاولا أن "يعرف" ثم "يعرف مزيدا"ثم يعرف مزيدا من المزيد الى أخر نفس يلفظه الآنسان المجتهد فى تحصيل المعرفة أذا جاءه أمر ربه .. على أن هذه النقطة من نقاط حديثى هى التى سوف تكون أحدى ركيزتين أساسيتين سيكونان المحور الرئيس للموضوع كله .
ثالثا - وهذه نقطة متصلة بما أسلفته لتوى, أذكرها راجيا أن تتسع صدورنا لما يقوال بعضنا لبعضنا , فكلنا طلاب حقيقة نسعى الى أدراكها زالى العمل بمقتضاها , ولا ضير فى أن يصحح أحدنا الآخر , بل لابد أن يصحح أحدنا الآخر لتتحرك حياتنا الفكرية نحو ما هو أصبح وأكمل , وا لا فمنذا الذى يدعى لنفسه سعة من العلم لانتهى حدودها وعصمة من الخطا لاموضوع فيها للزلل والخطا ؟ وانى أذ أقول ذلك , فانما أقواله وفى ذهنى أمثلة حية مما قرأته أوسمعته لعلماء منا .
لا أشك لحظة فى فضلهم وفى أخلاصهم وسلامة طويتهم , لكننى فى الوقت نفسه أشك كل الشك فى فى سداد ما يكتبونه أحيانا وما يذيعونه فى الناس , وذلك حين أشعر فى قوة ووضوح أن مؤدى ما يقولونه فى موضوع "العبادة" قد يفهمة الآخذون عنهم على أنها عبادة السكون والقعود وازهد والرضا بالقليل من دنيا "العلم " ومن دنيا "العمل" . وكان أخر ما سمعته فىهذا الباب ما أذاعه أستاذ جليل عن "القدس" وكيف تكون سبيلنا الى تحريرها من قبضة أسرائيل , اذ قال أن الوسيلة هى "العبادة" . والشرط الذى اشترطه فضيلته لتلك العبادة هو أن تعم الأمة الأسلامية كلها لأتقتصر على نفر منها دون الأخر . ولو أن فضيلته قصد "بالعبادة" ذلك المعنى الواسع الذى سأجعله موضوعا لحديثى بعد قليل , لكان قواله صوابا . لكنه قال قواله ذاك فى سياق لايجعل للعبادة معنى فى أذهان السامعين الأما هو معرف من "أركان" الأسلام الخمسة . أى أنه يكفى المسلمين أن يقيموا الصلاة ويؤدوا الزكاة ويصوموا رمضان ويحج منهم من هو قادر على الحج , وذلك كله بعد شهادة أن لا أله أ لا الله وأن محمدأ رسول الله, فيخرج الاسرائيليون من القدس . لقد سبق لكاتب هذه السطور أن ذكر سامعيه (فى محاضرة عامة ألقاها فى تونس ) , كما ذكر قراءه (فى مقالة له ), ذكر أولئك وهؤلاء بأن أركان البنا لابد أن تقام قوية وراسخة . لكن فى البنا الى جانب "الأركان" غرفا وجدرانا , ومن تلك الغرف والجدران أن يكون المسلم عابدا بعلمه وباستخدامه لذلك العلم فى السلم أذا كان السلم وفى الحرب أذا كانت الحرب , وبهذا الجانب من العبادة تخلو القدس من الغاصبين .
ربما كنت بتلك النقاط الثلاث ,قد مهدت الطريق الى ما أريد عرضه تعليقا وتوضيحا لتلك العبارة التى قالها ذلك المسلم من أبنا الهند , حين أجاب صاحبه الذى سأله أن كان راغبا فى مرافقته الى المسجد أذ أجاب قائلا : ياصديقى أنا المسجد وأنا الساجد معا , لله سبحانه وتعالى .. عند المسلم كتابان : القرأن الكريم وهذا الكون العظيم الذى يحيط بنا ونسكن كوكبا من ملايين كواكبه وأنجمه . وذلك لاينفى أن يكون الكتاب الثانى محكوما بالكتاب الآول , بمعنى أن "الكلمة" تسبق فعلها , و "كن" يتبعها أن "يكون" . من القرأن الكريم يستمد المسلم - بين ما يستمده - المبادئ والقواعد التى يقيم حياته السلوكية على أسسها ,ومن كتاب الكونيستمد المسلم (وغير المسلم ) قوانين "العلم" التى على أساسها وفى حدود ما يعلمه منها يصنع الغذاء ويصنع الدواء وينسج الثياب ويبنى المساكن ويقيم الجسور ويصوغ المعادن أدوات لعيشه وسلاحا لحربه الى أخر ألوف الألأف من صنائعه أن كان لتلك الصنائع أثر . وكلا الكتابين مقروء للناس بمقادير ودرجات تتفاوت بتفاوت أفراد الناس فى قدرتهم على القراءة . ولكل من الكتابين لغته التى لابد أن تدرس دراسة دقيقة وعميقة ,حتى يتمكن الدارس من استخلاص ما ظهر من مضمونها وما بطن .ولذلك كان لكل من الكتابين علماؤه المتخصصون الذين يجب أن يكونوا مرجعا يلوذ من أراد العلم من غير المتخصصين , الا أنه من المألوف للناس أن تكون لغة القرأن الكريم هى اللغة العربية , لكنه ليس من المألوف عندهم أن يقال أن لظواهر الكون لغاتها , وهى اللغات التى يحتال على قراءتها الباحثون عن أسرار تلك الظواهر , أى أنهم باحثون عن قوانينها . غير أن لغات الظواهر الكونية أقرب ألى ما يسمونه "بالشفرة" أو هى أقرب الى الكتابة بمداد غير مرئى للعين ألا اذا عولج بمواد معينة فيظهر للعين بعد خفاء . واحتيال العلماء على ظواهر الكون حتى يكشفواعن أسرارها هو نفسه الذى نطلق عليه اسم "المنهج العلمى " فى البحث , والا فكيف قرأ علماء الضوء ما استكن فى ظاهرة الضوء بحيث استطاعوا أخر الأمر أن يطوعوه لأغراضنا ,فكان لنا تلك المصابيح التى نستضئ بضوئها , كما كان لنا أجهزة أخرى كثيرة كالتليفزيون وغيره ؟ وكيف قرأ علماء "الصوت" وعلماء "الكهرباء" وعلماء "الجاذبية" وعلماء هذا وعلماء ذلك , كيف استطاع كل هؤلاء العلماء , أن يقرءوا تلك الكائنات جميعا ليستخرجوا ما كان مكنونا من سرها فطوعوها , وأصبحت حياةالناس كما نراها بوسائلها وأجهزتها ولم يعد فى مستطاع أحد أن يتصور لنفسه حياة بغيرها .. ؟ ولقد كان هؤلاء العلماء فى جهدهم وجهادهم يعبدون الله الذى خلق الكون وأمر عباده أن يتفكروا فى خلقة ذاك , حتى يكشفوا ما استطاعوا الكشف عن كنزه المستور .
قل لى - بالله - يا أخى أين هو المسلم الواحد الذى لايفخر ويفاخر بأبائه المسلمين فيما قالوه وما فعلوه خلال القرون العشرة الاولى من تاريخ الاسلام والقرون الاربعة الاولى منها على وجه الخصوص ؟ واذا كان هذا هكذا - فتعال معا نحلل العوامل اأساسية التى جعلت تلك القروت الأولى مختلفة عما تلاها الى يومنا هذا . أن الأسبقية وحدها لآيكفى للتعليل , ولا بد أن يكون الفرق كامنا فيما أداه أولئك وما يؤديه هؤلاء . وأذا أذنت لى بأن أدلى بين يديك برأى عاجل , ولكنة شامل , لقلت أن الفارق الرئيس بين الفترتين أنما هو أن الأولين عنوا بالكتابين معا : القرأن الكريم والكون العظيم , معترفا لك بأن القرأن الكريم قد ظفر منهم بالاهتام الأكبر , مما كان ينبغى أن يؤدى بنا ألى نتيجة هامة لو كنا حريصين على أن نكون مع أسلافنا استمرارية تاريخية أيجابية وفعالة وتلك النتجة هى أن نعتمد لى حد كبير على دراساتهم القرأنية لنجعل لدراسة "العلوم" الكونية فرصة أوسع .
أننا حين نعتز بأسلافنا ترانا لآنقصر الأمر على فقهاء الدين منهم , بل نحرص
على أن نضيف الأسماء اللامعة لعلماء الرياضة وعلماء الطب وعلماء الكيمياء وعلماء الفلك والمؤرخين والرحالة فضلا عن الشعراء والنقاذ والفلاسفة . فهؤلاء جميعا قد وجهوا جهودهم نحو الكون , يقرءون ظواهره ليصفوها وليحللوها وليستخرجوا قوانينها , ثم أصابنا الجمود منذ القرن الخامس عشر الميلادى . ففى الوقت الذى كانت فيه أوروبا قبل ذلك لم تكد تتجه بنظرة واحدة نحو تلك العلوم , (وهذا الحكم منصب بالطبع على ما بعد العصر اليونانى) وكان أسلافنا المسلمون وحدهم هم فرسان الميدان , تحول الموقف تحولا حادا بعد ذلك التاريخ , فاتجهت أوروبا بكل عقولها وقلوبها نحو طبيعة الظواهر الكونية يدرسونها , ووقفنا نحن وقفة الأشل , فلم يتبق لنا من ميادين الدراسة شئ الأ ان يعيد الدارسون ما كتبه الأولون متصلابالقرأن الكريم , فلا هم أضافوا شيئا فى هذا المجال , ولا هم بالطبع أنفقوا من وقتهم ساعة واحدة يدرسون فيها ظاهرة من ظواهر الكون .
وأذا شاركننى هذا الرأى , انفتح الطريق أمامنا نحو الوسيلة التى ننهى بها مأساتنا .
فهى - كما نرى - أن نجعل أسلامنا على نحو ما كان اسلام الأسبقين فيما يختص بالحياة العلمية . فقد كان عالم الرياضة أو عالم الطب أو عالم الكيمياء ألخ مسلما عالما , لا "مسلما وعالما " بأضافة واو العطف بين الصفتين , بمعنى أن اهتمامه بالفرع الذى يهتم به من فروع العلم الرياضى والطبيعى كان جزاءا من أسلامه , أو بعبارة أخرى , كانت العبادة عنده ذات وجهين : بالوجه الأول منهما يعبد الله بالأركان الخمسة , وبالوجه الثانى منهما يبحث فى خلق السموات والأرض وما بينهما كما أمره القرأن الكريم . وبهذه النظرةنفسها يكون مخرجنا من مأساتنا وهى المأساة التى جعلت الأمةالأسلامية على حالتها من الضعف , كما أسلفنا القول فى ذلك .
وأذا اتجه المسلمون بأيمان راسخ وعميق نحو دراسة "العلوم" , لا من حيث هى "مذكرات" تحفظ , بل من حيث هى ضرب من عبادة الله عز وجل لأنها نظر فى خلق الله , لاستطاعوا أن يتميزوا فى هذا المجال بالقياس الى علماء الغرب . لماذا ؟ لأنهم بحكم أسلامهم موجهون نحو "التوحيد" بكل معنى من معانية , فتوحيد الله سبحانه وتعالى عند المسلم , لو أخذ مأخذا بصيا - لاستتبع عند المسلم توحيدا لشخصيته هو وتوحيدا للكثرة الظاهرة فى كائنا العالم , بحيث تنخرط كلها فى "لون" واحد متكامل الأجزاء .
وكلا الجانبين من التوحيد , وأعنى توحيد الشخصية الانسانية وتوحيد العلوم المختلفة التى تبحث فى ظواهر الكون توحيدا يعود بها الى مبدا واحد , أقول : أن كلا الجانبين من التوحيد غائب أو كالغائب عن الحياة الفكرية فى عصرنا التى هى حياة انفرد بها حتى اأن علماء الغرب .
وما ينفك أدباء الغرب ومفكروه يشيرون الى هذا النقص الخطير الذى الى كثير من أمراض العصر النفسية وعلى رأسها القلق والشعور بالاغتراب , وكأن الأنسان يعيش فى غير بيته ومع غير أسرته ,
نعم - لو أن المسلمين عبدوا الله من ناحية دراستهم لخلق الله بالاضافة الى عبادتهسبحانه وتعالى من ناحية الأركان الخمسة , لانتهوا الى ما يصح تسميته بالعلم "الأسلامى" . فالعلم لايصبح أسلاميا بهذا العبث الذى يطن فى أذاننا كل يوم حين نسمع صيحات تقول: نريد علم نفس أسلاميا , ونريد علم اجتماع أسلاميا , ونريد علم اقتصاد أسلاميا . كلا , لأن كل علم من هذه العلوم الجزئية لا يستطيع أ لا أن يكون علما لا تتغير صورته على أيد علماء اختلفت أوطانهم وعقائدهم , وانما يصبح العلم أسلاميا بالوقفة العامة التى ترتب بها العلوم الجزئية فى وحدة تضمها على نحو ما نتوقع من المسلم الحق أن يوحد بين عناصره الداخلية العاقلة منها وغير العاقلة فى ذات موحدة متسقة النغم متفقة الهدف . لكن هذا كله لايؤديه المسلم فى المسجد وحده , وانما يؤديه - كما قلت - قبل المسجد , وفى المسجد وبعد المسجد , فهل رأيت الأن ياصديقى , كيف يمكن أن تفهم عبارة المسلم الهندى التى قالها لزميلهحين قال : أننى أنا المسجد وأنا الساجد ؟ هذا , ولم أقل "شيئا" عن الركيزة الثانية فى حياة المسلم , ركيزة "الأخلاق" التى نزل بها القرأن الكريم , لينظم على أساسها أنماط سلوكنا فى حياتنا منفردة كانت تلك الحياة أو مجتمعة . ويغفر لنا هذا الحذف ضيق المقام أولا , ووضوح هذاالجانب فى أذهان الناس . أذ من الذى لايعرف أن المسلم الحق يحمل مبادئه الأخلاقية فى ضميره أينما كان يحملها قبل دخوله المسجد وبعد خروجه من المسجد - كما يحملها وهو يؤدى صلاته فى المسجد سواء بسواء.

المصدر كتاب زكى نجيب محفوظ ( ثقافتنا فى مواجهة العصر )

الخميس، 22 ديسمبر، 2011

ضاعف قدرتك على القراءة

الفصل الأول

القراءة الفورية

يتدفق علينا كل يوم عبر الكلمة المقروءة سيل جارف من التقارير والمذكرات والمناهج والرسائل الإلكترونية والخطابات والمجلات والجرائد اليومية والفاكسات, وغيرها من الصفحات المكتوبة التي علينا أن نتعلمها ونتذكرها, وقبل ظهور جهاز الكمبيوتر اعتاد كل منا على الشكوى من عدم وقت كافي لديه للقراءة (على سبيل المثال الصحف اليومية ومقالات المجلات والكتب) التي تكفل لنا الحصول على ما نحتاج إليه من المعلومات.

ومع قدوم الكمبيوتر الشخصي الخاص بالمكاتب تدهورت الأوضاع للأسوأ, فما زالت التقارير والنشرات والمذكرات والمجلات والكتب تتراكم أمامنا, كما انضمت إليها الفاكسات والرسائل الإلكترونية وشبكة الإنترنت وغيرها من شبكات المعلومات حول العالم.. ومع ظهور كل هذه الأشياء دخلنا جميعاً في مرحلة من التحدي لاحتوائها, والتعرف إليها إذا ما أردنا النجاح في عملنا, والحصول على الخيارات المدروسة, وتحقيق حياة أفضل.. ونحن مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نقرأ, وأن نستوعب هذا السير المنهمر الذي تأتي به المطبعة لدينا.. واليوم يشعر معظم القراء وحتى القارئ السريع منهم بعدم القدرة على استيعاب كل ما تخرج به المطبعة, ويسهل عليك الآن أن ترى أن كل تحسن في قدرتك على القراءة يعني تحسناً في قدرتك العقلية.. ولكن لا تترك نفسك ضحية لليأس.. فهناك طرق جديدة للقراءة سوف تمكنك من تحول الموقف لصالحك.

وتوصل العلم خلال الأعوام الثلاثين الماضية للكثير من أسرار القراءة.. وكانت القراءة السريعة بكل ما تحمله من قوة هي البداية الحقيقة.. وعلى الرغم من أن معظم الناس يشعرون بأن القراءة كانت دائماً الأمر المثير والحاسم فلقد كانت فقط مجرد بداية.. فطرق القراءة الجديدة واستراتيجيتها جعلت من القراءة السريعة أمراً عفا عليه الزمن.. فلقد كشفت هذه الاستراتيجيات والخطط النقاب عن قدرات طبيعية بالغة القوة للقراءة بإمكانها أن تجعلك تقرأ أي شيء بشكل فوري تقريباً ودون أن تفقد القدرة على الفهم والتخمين.. وعلى عكس القراءة السريعة فإن هذه الطرق تعمل دون الحاجة إلى تطوير مهارات وتدريبات معقدة.


وماذا سوف يكون عليه الأمر إذا استيقظت غداً صباحاً, واستطعت أن تضاعف من قدرتك على القراءة؟ وماذا يكون الأمر إذا أخذتك القراءة منها ودون أن تشعر بالإرهاق لاستعراض العديد من التقارير ومقالات الصحف والرسائل الإلكترونية وشبكات المعلومات والنشرات والكتب؟ وماذا يكون الأمر أيضاً إذا استطعت أن تقرأ بشكل فوري أي شيء وكل شيء.

قد يبدو أن هذا القول مسحة من الادعاء ـ إلا أن الأمر في حقيقته ليس كذلك ـ لأن قدرتك في القراءة قوية في حقيقتها.. وهي في ذلك على غرار بقية قدراتك الفعلية.. وقد كشف أحد الأبحاث الجامعية أن واحد فقط من العوامل المساعدة التالية يزيد من سرعة قراءتك بنسبة مائة في المائة.

**************

التركيز المفتاح المؤدي إلى القراءة الفورية

هل تقول أن شيئاً بسيطاً مثل محاولة التركيز بشكل أفضل سوف تزودني بالقدرة على القراءة الفورية؟.. إن هذا دون شك أمر مثير للسخرية. إنه قول طيب وأبعد ما يكون عن الحقيقة.. ولكن ماذا سيكون الأمر إذا كان مزوداً بأدلة علمية واضحة! وهل مجرد التركيز بكثير من القصد على ما نقرأ يمكن أن يضاعف من سرعتك, واستيعابك بشكل ملموس.

والآن علينا أن نمعن النظر فيما يلي.. هل سبق لك أن واجهت موقفاً مثيراً بمشاعر الخوف مثل وقوع حادث سيارة مفاجئ لك, أو مشاهدة شخص ما في موقف يتعرض فيه لخطر داهم.. موقف شاهدته بكل تفاصيله في لمحة سريعة؟ إذا كان ذلك قد واجهك فأنت الآن قد أدركت مدى القدرة المحيرة للمخ البشري في الملاحظة والفهم الشامل والفوري لما يمر عبر العين.

كذلك استرجع المرات العديدة التي قمت خلالها بقراءة أبواب عديدة وحتى صفحات كاملة من وثيقة متعلقة بالعمل.. ثم أدركت فجأة أنه ليس لديك أدنى فكرة عن مضمون ما قرأته.. قلب النظر في وقت القراءة الذي ضاع دون جدوى بسبب عدم التركيز وفشلك في القراءة المركزة الواعية.

وفي كتابه الهام "كيف تقرأ أفضل وأسرع" يوضح مدرس القراءة تورمان لويس العلاقة القوية بين التركيز والقراءة السريعة.. وخلال إحدى التجارب في معمله المخصص لتعليم الكبار القراءة كلف لويس المتطوعين بقراءة مقالة قصيرة بسرعتهم المعتادة, وفي جو من الراحة وظروف ملائمة تساعد على الاسترخاء طلب لويس من هؤلاء المتطوعين قراءة المادة التي لديهم بنفس السرعة التي قرأوا بها في المنزل.. وكان مطلبه الوحيد منهم ينص على أن يقرأوا كل كلمة وتبذلوا الجهد من أجل تفهم ما يقرأون .. وبعد ذلك سجل لويس الأوقات التي استغرقتها القراءة واختبرهم في عملية الفهم.

وفي اليوم التالي طلب منهم قراءة نصف المقال في نفس المدة كما طلب منهم في هذه المرة أن يقرأ وها بأسرع ما يمكن.. مرة أخرى سألهم أن يقرأوا كل كلمة دون التضحية بعملية الفهم, ثم سجل لويس سرعات المشاركين واختبرهم بعد ذلك في عملية الفهم.

وجاءت النتائج بدلائل لا تقبل الشك في قوة التركيز.. وتمكن معظم المتطوعين من تحقيق سرعة أكبر تتراوح بين خمسة وعشرين وخمسين في المائة دون المساس بقدرتهم على الفهم.

تـــدريــــــــــب

سوف تقترب بعد فترة قصيرة من سرعتك الكاملة بدلا من التأرجح حول سرعتك الحالية:

ـ حدد سرعتك القصوى للقراءة.. ابحث عن أي شيء يمكنك أن تقرأه في جلسة واحدة ومن الأفضل أن تكون مقالة صحيفة أو فصلاً في كتاب.

ـ ضع فاصلا في منتصف القطعة التي عزمت على قراءتها.

ـ لاحظ الوقت وابدأ القراءة.

ـ عندما تصل إلى علامة نصف القطعة توقف عن القراءة للحظة, ولاحظ الوقت الذي استغرقته في قراءة الجزء الأول.

ـ استمر في القراءة ولكن هذه المرة ركز على أن تضغط على نفسك كي تقرأ أسرع. لكن لا تقرأ بسرعة تضحي أثناءها بالفهم.

ـ عندما تصل إلى نهاية القطعة سجل الوقت مرة ثانية, ولاحظ إلى أي مدى زادت سرعتك في النصف الثاني عندما ركزت بوعي على زيادة سرعتك, وهل لك أن تتصور هذا الوقت الطويل الذي توفره في كل مرة تقرأ فيها .. ثم تصور أن بإمكانك توفير ضعف هذا الوقت إذا ما ركزت فقط على القراءة بطريقة أسرع قليلاً.

ـ وعندما تقرأ في المرة الثانية ـ وفي كل مرة تقرأ فيهاـ عليك أن تركز بوعي على القراءة بسرعة أكثر قليلاً, وسوف تذهلك النتائج التي تحققت في غصون عدة أيام أو أسبوع في هذه التجربة.

التغلب على العادات السيئة في القراءة

قبل أن تتعلم القراءة بسرعة عليك أولاً التغلب على ثلاث عادات معطلة للتقدم سبق أن تعلمناها كلنا في المراحل الأولية من تعليمنا.

وإذا لم نتعلم منذ تلك المرحلة عادات أخرى, فإننا سوف نعيد دون دراية معا تكرارها مئات المرات خلال جلسات القراءة. وهذا الأمر سوف يضاعف عدة مرات من حجم العمل لذا لا عجب في أننا نتراخى في القراءة التي تجعلنا أيضاً نشعر بالتعب والعادات السيئة الثلاث هي:

قراءة الحروف والكلمات والجمل مع الصوت بسرعة الهمس.

القراءة كلمة بكلمة.

القراءة التراجعية.

ربما لم تسمع من قبل عن هذه العادات السيئة الثلاث في القراءة... وقد تكون غير منتبه إلى انك تمارسها في واقع حياتك, ولكن عندما تعلم بذلك فسوف تدرك أنها أعاقت سرعتك في القراءة طوال ما مضى من حياتك.. وهذه العادات الثلاث تشبه حجر الطاحونة الذي يحيط برقبتك, ويجعل القراءة الفورية أمر غير ممكن, وإذا تخليت عن أي من هذه العادات الثلاث فسوف تحقق قفزة هائلة في قدرتك على القراءة, وإذا تغلبت على العادات الثلاث فسوف تجد نفسك قد دخلت مرحلة متقدمة تشبه عملية القراءة الفورية.

تكرار الكلمات بصوت هامس عند قراءتها:

من المحتمل أنك تعلمت القراءة عن طريق متابعة مُدرسك وتكرار الحروف ثم الكلمات ثم الجمل بصوت هامس, وهذا ما يسميه العلماء طريقة القراءة حرفاً بحرف وبصوت هامس.

إن تكرار الكلمات بصوت هامس وأنت تقرأ يخفض من سرعة القراءة إلى مستوى سرعة الكلمة المنطوقة... وعموماً يستطيع المخ البشري أن يفكر في الكلمات ويقرأها أسرع بشكل عام عن سرعتك في الحديث.. وهذا هو السبب في أن لسانك يلتوي بعض الأحيان لعدم قدرته على متابعة المخ البشري في سرعته, ولن يكون ذلك مثار عجب إذا ما استعرضنا ما ذكره مايكل مكارثي في كتابه "السيطرة على عصر المعلومات" من أن أقصى سرعة للقراءة بصوت هامس لن تتجاوز مائة وخمسين كلمة في الدقيقة. كما أن السرعة القصوى للأشخاص الذين يقرأون كلمة بكلمة تتراوح بين مائتين وثلاثمائة كلمة في الدقيقة, وهذا بدوره يصل إلى نصف سرعة الشخص العادي الذي يستطيع القراءة بسرعة ستمائة كلمة في الدقيقة.

إن التغلب على طريقة القراءة كلمة بكلمة وبصوت مسموع قد تكون صعبة في البداية, وهي تشبه إلى حد ما تعلم ركوب دراجة بعجلتين للمرة الأولى في حياتك .. وقد تسقط من على الدراجة بعد دقائق قليلة من محاولتك الأولى, أما إذا التزمت بها لفترة من الزمن فسوف تكتسب البراعة فيها ..

وهذا يُشبه ما يحدث في ركوب الدراجة عندما تكتسب مهاراتها التي لن تفقدها بعد ذلك.

تـــدريــــــــــــــــب

إن التمرين التالي يعتبر أساساً لكل أنواع القراءة الفورية فهو سوف يساعدك على اتخاذ قرارك بشأن الاستمرار في القراءة كلمة بكلمة بصوت مسموع, أو التوقف عن ذلك .. ولا تهمل هذا التمرين؛ حيث أن نظام القراءة كلمة بكلمة مع الصوت هو العقبة الأولى أمام القراءة السريعة.

ـ اسأل نفسك: هل تقرأ بصوت عالٍ أثناء القراءة.

ـ قد لا تكون قادر على الإجابة, وقد تكون طريقتك في القراءة هي طبيعتك الثانية التي لم تفكر فيها وأنت في حالة وعي, وعليك أن تولي اهتمامك لمدى إصرارك على تكرار الكلمات لنفسك أثناء القراءة.

ـ إذا كنت من القراء بصوت عال (وغالبا أنت منهم) حاول أن تقرأ بقية الفصل بطريقة أسرع من قدرتك على تكرار الكلمات استجمع شتات ذهنك وحاول أن تدع عينيك تأخذ الكلمات دون التوقف لتقولها لنفسك .. وسوف تجد نفسك أسرع مما تعتقد في الحصول على معلومات من الصفحة المطبوعة, وهذا شيء جيد في حد ذاته.

ـ عندما تصل إلى نهاية هذا الفصل توقف ثم أكتب ما تتذكر من النقاط الرئيسية.

ـ ارجع إلى هذه النقطة ثم استعرض الفصل .. وسوف تصاب بالدهشة عندما تتحقق من حجم ما حصلته.

ـ واصل التدريب على هذا النحو حتى ترى أنك قد تخلصت من عادة القراءة كلمة بكلمة بصوت مسموع.

من مرحلة الكلمة الواحدة في القراءة إلى مرحلة العبارة الواحدة:

نحن قد تعلمنا في غالب الأمر أن نقرأ كلمة بعد كلمة كلاً في وقتها .. واكتشفنا صوت ومعنى كل كلمة كما علمنا مُدرسونا, ثم جاءت مرحلة ربط الكلمات معاً, وفي وقت واحد وفي خيوط متصلة "أُنظر ـ حدد" .. إنه حقاً لنِظام مُفزع لتعلم القراءة كما هو في حقيقته نظام سيء لتعلم القراءة .. ولعل أحد أهم أسباب عدم إقبالك على القراءة هو أنها تعتبر بهذه الطريقة من عوامل البطء في حياتنا .. فأنت تفكر, وتعيش بطريقة أسرع مما تقرأ.. إن القراءة تُشعرك كما لو كنت تسير ببطء نحو هدف غير مهم لا يمكنك الوصول إليه.. وقد أشارت الإحصائيات إلى أن الأشخاص الذين يلقون وراء ظهورهم بطريقة القراءة كلمة بعد كلمة يمكنهم أن يقرأوا بسهولة وبسرعة تصل إلى ستمائة كلمة وألف كلمة, حتى ألفي كلمة بالدقيقة الواحدة.

أظهرت الإحصائيات بأن الذين يستطيعون ترك القراءة كلمة بكلمة وراءهم يستطيعون أن يتعلموا بسهولة القراءة بسرعة 600 أو 1000 وحتى 2000 كلمة في الدقيقة .. وهذا أضعاف أضعاف سرعة أحد الأشخاص ممن لا يزالون يتحركون عقلياً محدثين صوتاً, وهم يحفظون عن ظهر قلب كل كلمة في كل مرة.

وقد أظهرت الأبحاث طريقة جديدة أكثر كفاءة بكثير للبالغين من أجل القراءة وعندما ننمو ونبلغ السن الذي تعدى مرحلة الطفولة تكون عقولنا أقد على استيعاب كميات أكبر من المواد .. لقد أفدنا من ميزة هذه المقدرة فحققنا قفزة إلى ما وراء المجهودات بالطريقة القديمة, وهي طريقة كلمة بكلمة.

إذا كنت قارئاً بنظام كلمة مرة وحدة فإن التفكير بالنسبة لطريقة جديدة كاملة في القراءة قد تبدو مجلوبة من زمان ومكان بعيدين, ولو أن أساسها منطقي .. وبكل تأكيد فإن عقلك الناضج يمكنه استيعاب وإدراك كم أكبر من البيانات كما لو كنت مجرد تلميذ في التعليم الأساسي .. وقد لا تربط بين الطريقتين ولكن مقدرتك على استيعاب كم أكبر من المعلومات, والتحكم فيها تنطبق أيضاً على حالة القراءة.

إن العقل الناضج مهيأ لاستيعاب عبارات كاملة وتفسيرها من نظرة واحدة دون الحاجة لفك شفرتها, أو قراءتها بصوت عال كلمة كلمة, وبدلاً من ذلك يمكنك قراءتها عبارة عبارة.

فلو أن كل عبارة كانت مكونة من ثلاث كلمات فقط فسوف تتعثر سرعة قراءتك .. إن معظم المعلومات التي تشملها عبارات قصيرة (كل منها تُعبر عن فكرة كاملة) في داخل جُمل .. فقط ابحث عن مجموعات صغيرة من الكلمات المتصلة مثل "معظم المعلومات" , "تشملها", "عبارات قصيرة", "من داخل جمل".

خذ الجملة التي في نهاية الفقرة قبل الأخيرة: فلو أن كل عبارة كانت مكونة من ثلاث كلمات فقط فسوف تتعثر سرعة قراءتك .. فإذا قرأتها كلمة كلمة فسوف تراها كعناصر فردية مثل: "فلو أن .. كل .. عبارة .. كانت .. مكونة .. من .. ثلاث .. كلمات .. فقط .. فسوف .. تتعثر .. سرعة .. القراءة .. لديك".

ولكن ماذا لو تدربت عيناك على الإفادة من مقدرة المخ على إدراك المادة المطبوعة عبارة عبارة؟ .. فسوف ترى نفس الجملة مثل: "لو أن كل عبارة.. كانت مكونة.. من ثلاث كلمات فقط.. سوف تتعثر سرعتك القراءة لديك". .. إن القراءة بطريقة عبارة عبارة سوف تحررك من زيادة السرعة حيث كنت بطيئاً.

تـــدريــــــــــــــــب

هذا تدريب آخر لا ينبغي لك إغفاله .. إن القراءة بنظام كلمة كلمة مرة واحدة يُعد عائقاً أساسياً في طريق القراءة الأسرع.

ـ في المرة القادمة عندما تقرأ مقالاً أو كتاباً أو وثيقة عمل, ابحث عن العبارات القصيرة المشتملة على فكرة واحدة.

ـ حاول استيعابها معاً بتناولها بصرياً وعقلياً في نفس الوقت.

ـ ركز على المادة بالتعرف عليها عبارة عبارة ودون تباطؤ في تناول الكلمات الفردية حتى لو كنت متأكد من أن سير العملية ليس في جانبك.

ـ بعد الانتهاء دون ملخصاً لكل ما تتذكر.

ـ راجع المادة, مرة أخرى, قد تتملكك الدهشة عندما تكتشف ميزة طريقة القراءة عبارة عبارة من حيث فعاليتها.

ـ تدرب لأسابيع كثيرة أو شهور, حتى تتحول إلى عادة كما كانت طريقة القراءة كلمة كلمة عادة لك من قبل.

الاسترجاع:

الاسترجاع هو ثالث عادة من عادات التعطيل الذاتي التي تؤثر على مهارتنا في القراءة ككبار, وهو أسوأ العادات الثلاث.. والمقصود بالاسترجاع المرور على الكلمة أكثر من مرة لتأكد من سلامتها, مما يُعد سمة عالمية.. وتبعاً لمايكل مكارثي, فإن الاسترجاع عادة لا واعية بسبب "نقص ثقتنافي مقدرتنا على استيعاب المادة.. فلو أغفلنا كلمة أو عبارة, ولو كنا شاردي الذهن لبرهة, فإننا غريزياً نشعر بتحسن استيعابنا كلما كررنا القراءة مرات أخرى".

وعلى الرغم من ذلك فإننا مخطئون في اعتقادنا .. ولا يحسن الاسترجاع فهمنا لما نقرأ .. بل أنه بالفعل يُضعف استيعابنا .. والتوقف عند كل كلمة أو جملة لاسترجاعها يتداخل مع قدرة العقل لاستيعاب المعنى الكلي لما نقرأه .. ويعطل هذا أيضاً قدرتنا على متابعة تجانس تفاصيل ما نقرأه.

تخيل أنه تم بناء طائرة ما بهذه الطريقة .. ألا وهي أن يثبتوا أول مسمار تم يتعين عليهم فكه, وخلعه, ثم يُعدوا ربطه مرة أخرى قبل أن يتمكنوا من وضع المسمار الثاني, ثم يتعين عليهم فك هذا المسمار أيضاً ويضعونه قبل الاستمرار في تثبيت المسمار الثالث .. وهكذا.

ويستدعي هذا قضاء ضعف الوقت لتركيب الطائرة, وسيصبح كذلك أمراً محبطاً .. والآن لديك فكرة عن مدى إهدار قوة القراءة عندك بفعل يبدو بريئاً بشكل مخادع ألا وهو استرجاع ما قرأت.

تـــدريــــــــــــــــب

وقد حانت لك الفرصة لتحرر نفسك من هذا الفعل اللاإرادي الذي يُقوض سرعة قراءتك إلى مجرد جزء فقط منها .. فلا تتجاهل هذا التدريب.

ـ اختر شيئاً ما مطولاً جداً للقراءة.

ـ تقدم في قراءته مباشرة بأسرع ما يمكن, ولا تدع نفسك تتوقف عن القراءة لتنظر إلى أي كلمة مرتين.

ـ ومرة أخرى, عندما تفرغ من القراءة أكتب ما تتذكر وقارنه بما قرأت.

ـ اضغط على نفسك لتقرأ بهذه الطريقة حتى تشعر أنه أصبح أمرا غريزياً.

تذكر ما قرأت بمساعدة مدعمات القراءة

والآن قد أصبحت تقرأ بطريقة أسرع بكثير عما كنت عليه عندما بدأت في هذا الفصل ودون أي فقد في استيعابك له .. وبرغم ذلك فتعد كل من طرق القراءة في العالم لا قيمة لها إذا لم تستطع تذكر الأفكار الأساسية لما قرأت .. ولكن يبدو أن المعلومات التي نعرفها بالقراءة ـ والتي هي ما نريد فعلاً أن نتذكرـ هي أصعب نوع يمكن تذكره.

إن الأشياء التي نقرأها لها تأثير علينا أقل من تأثير أحداث العالم المادي حولنا وهي بذلك أصعب بالنسبة للتذكر .. وهذا هو سبب الصعوبة عند معظم الناس لتذكر شيء ما سهلا مثل عنوان أحد الكتب التي قرأتها .. وناهيك عن محتواها .. وربما تكون قد دعيت يوماً ـ في العمل أو في المدرسة أو في الجيش أو أي موقف محرج آخرـ لتسأل عن تفاصيل وثيقة ما كنت قد قرأتها بالأمس, فوجدت عقلك فجأة كصفحة بيضاء, أو اكتشفت أنك تتذكر بالكاد محتواها .. على أية حال فكانت النتيجة واحدة: إنك خزيت وأصبحت عصبيا وتركت وحدك بشكل سيئ .. وربما تقضي الساعة التالية أو ما إلى ذلك تعنف فيها نفسك داخليا على عدم قدرتك على تتذكر شيء ما قد قرأته منذ مدة قصيرة ولكنه ليس خطؤك .. وبسؤالك عما أكلت في العشاء فقد تتمكن من تذكره وكذلك أدق تفاصيل الحوار الذي دار على العشاء .. إن تفاعلاتنا مع العالم المحيط بنا أكثر حيوية, وتترك أثر أعظم على ذاكرتنا مما نراه على صفحة ما من سيل كلمات مطبوعة بالأحرف السوداء.

ويا للسخرية .. فإن ما نستوعب من القراءة هو دائماً ما نجد أنفسنا أحوج ما نكون لتذكره .. تقريباً كل ما هو مهم بالنسبة لحياتنا يأتي في شكل مطبوعات .. تغيرات سياسة الشركة, كتيبات المستخدمين, بوليصات التأمين وبيانات الربح والخسارة .. ويمكنك سد الفراغات بخبرتك بين هذه الأشياء.

ولكن يجب ألا يحدث ذلك ثانية .. يمكنك تذكر أي شيء قرأته بنفس وضوح تذكرك لتفاصيل عشائك بالأمس عن طريق توافر "مدعمات القراءة الخمس".

ضاعف قوة قراءتك بهذه الطريقة البسيطة التي تتكون من خمس نقاط .. فلن تتذكر التفاصيل لليوم التالي فحسب ـ إذا سئلت ـ بل ستتذكرها لفترة طويلة قادمة .. وهذه المدعمات عبارة عن خمسة أسئلة يتعين عليك الإجابة عليها بعد قراءة أي شيء تريد أن تتذكره لاحقاً.

عما كان هذا الموضوع؟

ماهي أهم معلومة تضمنها هذا الموضوع؟

ماهي الآراء التي قدمها الكاتب, إن وجدت؟

ما رأيك أنت في هذا الموضوع؟

ماهو العنصر الذي جعل الموضوع فريداً؟

الفصل الثاني

القراءة بطريقة أكثر ذكاء

ماذا لو استطعت مضاعفة قدرتك العقلية على القراءة: ليس بمقدار مرتين فقط بل بعشرة مرات؟ و ما هي الفوائد التي سوف تعود من ذلك على عملك وحياتك وتطورك العقلي؟ ولعل هذا هو أحد أبسط فصل. ولكن ستضاعف قدرتك على القراءة عشرة مرات عند الانتهاء منه.

والحقيقة أن هناك الكثير من الناس تخيفهم فكرة القراءة. ولديهم اعتقاد أن القراءة أمر روتيني ممل. وحيث أن أغلب الناس يتبنون هذا الاتجاه, فإننا نجد الكثير منهم ينظرون إلى القراءة على أنها أمر صعب. ولذا فهم يتوقفون عن القراءة . فيتراكم لديهم الكثير مما يجب عليهم قراءته. وتصعب عملية القراءة بعد تضخم حجم ما يجب قراءته, وتصبح مادة صعبة لهم, وليس مجرد أمر بسيط يمكن اجتيازه.

وقد تصبح القراءة أمراً روتينيا مملا إذا لم تعرف الطريقة الذكية للقراءة. فليس الهدف هو القراءة بشكل أسرع إنما الهدف هو القراءة الأكثر ذكاء, والوسائل الذكية, وليست الصعبة هي من المبادئ الأساسية للنجاح في الحياة, فهي التي تنقلنا من حياة الكهف إلى المباني العملاقة المكيفة الهواء, وهي التي تقف وراء كل تقدم رئيسي في الحياة من العجلة إلى المسمار إلى الغسالة المنزلية والكمبيوتر المنزلي.

والسلوك الأكثر ذكاء وليس الأكثر مشقة هو ما يجعلك تعود إلى منزلك موفرا للوقت بدلا من أن تسلك طريقاً شديد الزحام, وهو لب مفهوم تفويض الآخرين بسلطاتك. وإعداد أربع وجبات توفير للوقت ثم وضع أربع منها في الثلاجة.

وهو عامل موجود في كل شيء تفعله تقريباً قد لا تكون قد أدركت أنه المبدأ الرئيسي في العمل. فالسلوك الذكي وليس العمل الشاق هو العامل الأساسي وراء كل ما أنجزه الإنسان, وهو مبدأ ينطبق على القراءة أيضاً. فهناك طريقتان مختصرتان يمكنك اللجوء إليهما لمضاعفة سرعة قراءتك مرتين أو ثلاث مرات ولربما أربع مرات. وفي تعاملك مع الخطابات والكتب والتقارير ومقالات والمجلات. وليس عليك أن تتعلم فقط ما يسمى بطريقة القراءة السريعة. يقول مايكل مكارثي الذي يقوم بتدريس دورات القراءة النشطة: إن نحو تسعين في المائة مما تقرأه يذهب دون فائدة, فأغلبه يخرج من الموضوع الرئيسي الذي يثير اهتمامنا أو هو عبارة عن أدبي متواضع المستوى ولا يزيد معدل الجانب الذي يحمل معلومات جديدة بالاستخدام عن عشرة في المائة من المادة المقروءة, ولربما أقل من ذلك.

ولنتساءل كم من الوقت والجهد يمكن لك توفره إذا ما أسقطت نسبة التسعين في المائة التي لا تحتاجها, وذهبت مباشرة إلى نسبة العشرة في المائة التي يمكنك استخدامها. ويمكنك أن تقرأ عشر مرات أكثر في نفس وقت القراءة العادية.

إذاً .. أين تجد الملل الروتيني في القراءة؟ في الحقيقة لا يوجد ما يخيف أو يشكل صعوبة في هذا الأمر. وليس هناك من الأسباب ما يدعونا إلى تأجيلها حيث ستكون قد انتهت قبل أن تعرفها. وسوف تذوب أمامك كالزبد هذه الكميات الهائلة المخزونة من المادة التي تقرأها بعد, وسوف تتحرك عيناك مرورا على كل الصفحات التي لا جدوى منها, وتتركز على الخمسة أو العشرين موضوعاً التي يلزم قراءتها. ولذا فعليك أن تقرأ الفقرة التالية بسرعة البرق.

وقد تبنى الباحثون ثلاث طرق استراتيجية مدهشة لتجاوز ما قد لا تحتاجه إلى معرفة العشرة في المائة الهامة, والوصول إليها مباشرة. وهذه الطرق هي:

زيادة سرعة أفكارك في الدقيقة الواحدة.

استخدام خريطة القراءة.

التصفح السريع.

زيادة معدل سرعة أفكارك بدلاً من زيادة سرعة الكلمات

قد يركز كثير من الناس بطريق الخطأ على السرعة التي يحصلون بها على الكلمات الخاصة بعد أن جذبت انتباههم ندوات القراءة السريعة، وما تقدمه من وعود بالوصول إلى سرعة ألفي كلمة في الدقيقة, وقراءة صفحات كاملة بمجرد إلقاء نظرة عليها. ولا شك أن الوصول إلى عدد أكثر من الكلمات بطريقة أسرع ليس هو السبب وراء رغبتك في القراءة فالأمر يحتاج إلى حقائق وأفكار هامة.

وعندما تكون مستغرقاً في محاولة متابعة السيل المتدفق من المعلومات لا تصبح زيادة سرعتك كلماتك في الدقيقة الواحدة بالأمر الهام. ولن تأخذك زيادة سرعة الكلمات أهمية خاصة, حيث لن تؤدي بك قراءتها إلى الاقتراب من هدفك. بدلاً من أن تزيد من سرعة الحصول على أفكارك في الدقيقة الواحدة.

إن التركيز على سرعة القراءة فقط سوف يؤدى بك إلى بذل جهدك بطريقة خاطئة في اتجاه الخوض في سيل هائل من الكلمات غير الضرورية. إن عنوان هذا القسم على سبيل المثال وكل ما يتضمنه من جمل سوف تمهد كلها أمامك الطريق نحو النقاط الرئيسية في الموضوع.

وهناك فائدة أخرى في طريقة القراءة من أجل الحصول على الأفكار وسوف يساعد ذلك على التركيز, وتذكر ما تتعلمه. إن التركيز على الأفكار الرئيسية فيما تقرأ لن يكون بالأمر البالغ الصعوبة.

تـــــــدريـــــــــــــب

عليك بالتدريب على ذلك في المرة القادمة عندما تقرأ صحيفة يومية أو مجلة أ شيء يأخذ من وقتك نحو ثلاثين دقيقة. وهذا يتطلب منك مادة صالحة للقراءة, وساعة لتحديد الوقت, وأوراقاً تكتب عليها, وسوف تتعلم أن تحدد النقاط الهامة فوراً ودون مجهود يذكر.

ـ حدد خمسة عشر دقيقة من الوقت على ساعتك.

ـ اقرأ بسرعتك المعتادة.

ـ توقف عن القراءة, واكتب ما تتذكره من الأفكار الرئيسية.

ـ حدد على ساعتك وقت جديد لخمسة عشر دقيقة أخرى.

ـ استأنف القراءة ولكن حاول هذه المرة أن تسرع عن طريق القفز فوق أي شيء لا يمت إلى الفكرة بصلة. وسوف تلقي مجرد نظرة عليها جميعاً, ولا تضيع وقتك في استعراض كل كلمة أو التفاصيل. توقف واقرأ بعناية في أي وقت تجد فيه مادة قد تبدو وثيقة الصلة باحتياجاتك, أو تحتوى على أفكار رئيسية.

ـ إذا لم تكن تحوى على معلومات هامة, يمكنك أن تقرأها بسرعتك المعتادة.

ـ وإذا لم تكن تحوى على معلومات هامة عليك بالإسراع بالقراءة, وابحث عن مادة تستحق الاهتمام بها.

ـ توقف عن القراءة, ومرة أخرى اكتب ما تتذكره من أفكار رئيسية.

ـ قارن بين عدد الأفكار التي حصلت عليها في الجزء الأول وما حصلت عليه في الجزء الثاني من القراءة. وسوف تصيبك الدهشة من النتيجة.

استخدم الطرق المختصرة الموفرة للوقت

يضيع معظم الناس دون دراية وقتهم في قراءة غير ضرورية لأنهم لا يعرفون السر البسيط لذلك. فالأغلبية الساحقة من الصحف اليومية والمقالات والتقارير والكتب تسير وفقاً لخريطة أو قاعدة عالمية.

فعلى غرار خريطة الطريق يمكنك الوصول إلى هدفك بشكل أسرع وتحديد المواقع الهامة, وتجنب الطرق المختصرة, وقضاء وقت ممتع إذا ما وضعت خريطة القراءة أساساً لنهجك. فهي سوف تساعدك على تحديد المعلومات الدقيقة التي تريدها بنسبة ثمانية وتسعين في المائة وبطريقة أسرع.

وتعتمد طريقة القراءة على أمور بسيطة وهي أن معظم المواد المعتمدة على الحقائق تقوم على أسس كلاسيكية معروفة:

فكرة رئيسية.

فكرة مساندة.

أفكار فرعية أو نقاط جانبية.

مادة مساندة.

أفكار فرعية للأفكار الفرعية.

مواد مساندة.

وتسير معظم الكتب والفقرات والأقسام الفرعية والأقسام والفصول على نفس التصميم والشكل. فكل يوضح فكرة واحدة رئيسية وصورة؛ وبحيث تحدد كل واحدة منها الفكرة, كما يحوي الجسم الرئيسي على المواد المساندة وتلخص النهاية النقطة التي تم التوصل إليها وتوضح مغزاها.

ويوجد في كل كتاب أو تقرير مفصل عدد كبير من النقاط المساندة.

وهذا بدوره يتحول إلى ما وصفه مؤلف كتاب "كيف نكون أكثر ذكاء" بقوله أنه نوع من التراجع غير المحدد للأفكار الفرعية والأفكار الفرعية المساندة للأفكار الفرعية, كما يتم دعم كل فكرة أو نقطة بواسطة مادة إيضاحية شريحة, ويمكن أن يتضمن هذا أمور تتراوح بين الحقائق والأرقام والإيضاحات والحالات التاريخية والأمثلة والوصف والتعريفات في الصور الفوتوغرافية والإيضاحات والرسوم والجداول والخرائط.

تـــــــــدريـــــــــــــب

عندما تصادف تقرير هاماً, أو مجموعة مراسلات أو كتاباً, فعليك إتباع الخطوات التالية:

ـ مر عليها بسرعة, وأقرأ فقط رؤوس الموضوعات والرؤوس الفرعية وابحث عدد الأفكار الرئيسية, وكيفية التعامل مع المادة التي توصلت إليها من هذا فقط. اسأل نفسك عن رؤوس الموضوعات التي تبدو أنها تشير إلى المادة التي تضم المعلومات ذات الأهمية الكبرى لك.

ـ ثم عد مرة أخرى لتقرأ فقط الأقسام.

ـ احسب بشكل تقريبي كم تقرير أو مقالة أو كتاباً لم تستطع قراءته, وهل بلغ الرقم عشرة أو عشرين أو خمسين في المائة أو ربما أكثر من ذلك.

ـ وتصور كم يمكنك أن تقرأه أكثر من ذلك إذا ما استطعت توفير نفس النسبة المئوية من وقت القراءة في كل مرة تقرأ فيها.

فن التصفح السريع

هنا نجد جوهر خريطة القراءة في أرقى صورها فبعد أن عرفت ما تبحث عنه, فإنك سوف تبدأ في تعلم الأدوات الأربع المؤثرة الخاصة بتحديد المادة المقروءة, والتخلص من الغث منها. وقد كشفت الأبحاث المتعلقة بالقراءة عن إحصاءات مدهشة. فمثلاً تصل نسبة المادة المقروءة التي لا قيمة لها إلى ما يتراوح مابين عشرين وخمسين في المائة من إجمالي ما نقرأه.

وتضم هذه النسبة العبارات الإيضاحية والفقرات وحتى الصفحات المطلوبة للكتابة لمساعدة القارئ البطيء:

لربط الأفكار.

لتمهيد الانتقالات بين الموضوعات.

لإيضاح النقاط التي سبق ذكرها.

لذكر الدوريات والكتب التي رجع إليها المؤلف.

لتكرار ما سبق قوله للقارئ غير المنتبه.

ولعل الشيء الوحيد الذي لا تقوم به المواد الغثة هو عدم احتوائها على معلومات وأفكار مفيدة. كما أن محتواها لا قيمة له, وإذا حذف كل هذا الغث من المادة المقروءة تبقى لك بعد ذلك الأفكار الرائدة والمعلومات الهامة.

إن كل دقيقة تمضيها في قراءة هذا الغث هي دقائق ضائعة من حياتك ووقت ذهب هباءً في قراءة غير مفيدة. ولكنك تستطيع أن تتعلم كيف تتعرف عليها, وتسقطها في أجزاء من الثانية وأنت تقرأ البقية. وأنت الآن تعرف طريقة التخلص من المادة الغثة, كما أن كل شخص يعرفها ولكن إذا استعنت بخريطة القراءة كمرشد لك وببعض الحيل البسيطة يمكنك تصفح المادة المقروءة بسرعة وبدقة, وتجد نفسك في النهاية تستوعب صفحات حافلة بالمعلومات في مجرد دقيقة أو دقيقتين. إن الطرق المختصرة الأربع التالية سوف توضح لك كيف يمكنك تحقيق القراءة السريعة, من خلال المواد المطولة مثل الكتيبات والتقارير وفي الكتب الكاملة, والتعرف على كل شيء هام في وقت بالغ القصر.

لا تستغرق في التفاصيل.

لا تفحص بسرعة مالا تحتاج لقراءته.

دع الكاتب يحدد الأفكار الرئيسية بدلاً منك.

ابحث عن الجملة الرئيسية.

ابحث عن الفواصل التي تحدد تغيير الموضوع.

لا تقع في مصيدة التفاصيل:

ليست التفاصيل هي ما تريد, وعليك بالبحث عن النقطة أو الفكرة الرئيسية. إن معظم ما يكتب يهدف إلى التوصل إلى نقطة محددة, ثم تأتي التفاصيل لمجرد إيضاح هذه النقطة. وأنت غالباً ما تقرأ للوصول إلى هذه النقطة أو النقاط. فالتفاصيل المحددة التي تؤدي إلى ذلك قد لا تتعلق بهذه النقاط.

وفي مثل هذه الحالة عليك بالبحث عن الكلمات الرئيسية المتعلقة بنواحي اهتمامك.

تجاوز ما لست بحاجة إلى معرفته:

تحتاج أحياناً إلى التعرف على التفاصيل خاصة تلك المتعلقة بموضوعات معينة. فمعظم التفاصيل في الوثيقة التي بين يديك قد لا تكون مرتبطة بالموضوع الذي يهمك. فهناك أجزاء معينة فقط هي التي تتناول جوانب مهمة بالنسبة لك. وسواء كانت التفاصيل غير المرغوب فيها تشكل ثلثي أو حتى عشر المادة الموجودة أمامك فعليك أيضا إسقاطها والتخلي عنها. وبدلاً من ذلك ركز على تحديد وقراءة الأجزاء التي لا علاقة لها باهتمامك. وسوف تكسب وقتا ثميناً بهذه الطريقة.

دع الكاتب يحدد لك الأفكار الرئيسية:

في هذه الأيام ليس عليك أن تبحث عن الأفكار الرئيسية حيث أن كل من يكتب كتابا أو مجلة أو كتاباً أو تقرير أو ما شابه ذلك يقوم بنفسه بعملية تحديد الأفكار الرئيسية والتغيرات الهامة في الموضوع. كما نلاحظ أن كل مادة منشورة في هذه الأيام تعتمد على كتابة عناوين رئيسية بين الفقرات لتحدد بداية مناقشة كل فكرة سواء كانت جديدة أو فرعية. وهذه العناوين تقدم لنا نقاط المواد التالية لها فيما يشبه الكبسولة. وطبعا لابد أنك شاهدت مثالاً لذلك فيما قرأته من كتب وصحف وتقارير.

كما يلجأ الكاتب أحياناً إلى حيل الطباعة مثل الكتابة بحروف مائلة أو كبيرة أو وضع خطوط تحت العبارات والكلمات أو القوائم الرقمية أو اللوحات أو الحروف؛ حتى يمكن مساعدة الحقائق الهامة والأفكار الرئيسية على التميز على من حولها.

ابحث عن الجمل الإرشادية الدالة على الموضوعات:

عندما لا تقودك أشكال الكلمة المطبوعة إلى ما يهمك, وعندما لا توجد عناوين لإرشادك فعليك أن تبحث عن الجمل الدالة على الموضوعات. فمعظم الفقرات جيدة الصياغة تحتوي على جملة واحدة هامة تلخص محتوى الفقرة كاملة. وهذه هي الجملة الإرشادية.

لاحظ العلامات التي تحدد تغيير الموضوع:

إنك لا تحتاج أن تقرأ كل جملة إرشادية للموضوع, كما تستطيع بمجرد التجول ببصرك أن تعثر على أكثر التغيرات أهمية في الموضوع.

فقد تشير كلمات معينة إلى أن فكرة جديدة على وشك أن تظهر وأن مادة حاسمة مساعدة على وشك أن تتبع. وعادة ما تأتي مثل هذه الكلمات في بداية الفقرات حيث يسهل التوصل إليها. عندما لا تقودك أشكال الكلمة المطبوعة.

الفصل الثالث

تقييم قراءاتك

لقد ضاعفت قدرتك العقلية بالقراءة الذكية والسريعة, والآن أستمر لتحقيق ضربة أخرى. ضاعف قوة عقلك مرة أخرى عن طريق تعلم طريقة الفصل الفوري بين الغث والثمين. إن مجرد القراءة لما يقع بين يديك كل يوم ليس كافياً فهناك خطوة أخرى باقية تأخذك من مجرد السيطرة على الكمية إلى السيطرة على النوعية.

وليس كافياً أن نتناول ببساطة كميات هائلة من المعلومات بطريقة غير نقدية. ولسوء الحظ فليست كل الأشياء التي نتعلمها أو نراها أو نسمعها قابلة للتصديق. فهناك جانب كبير من المعلومات الزائفة في هذا الكم الهائل من الأرقام والأفكار والحقائق التي نتعرض لها كل يوم. ويصيبنا رذاذ من معلومات ليست حقيقية أو دقيقة أو غير منحازة أو حتى صادقة.

وفي عالم يعتمد فيه النجاح على ملاحقة هذا الانفجار الهائل في حجم المعلومات يصبح التصرف على أساس المعلومات الخاطئة أمراً مدمراً. ويصدق هذا على كل مستويات حياتنا كما يصدق أيضاً على النشاط التجاري والعمل والأمور الشديدة الخصوصية؛ حيث يعتمد اتخاذ القرار الصائب ليس فقط على توفر الحقائق الصحيحة بل وأيضاً صحة الحقائق.

وقد تتلون الحقائق وتتغير بسهولة. ويرجع أحياناً إلى أمور قد تبدو بريئة وأحياناً أخرى يرجع إلى دوافع عقلية خارجية. وفي الحالتين تصبح النتيجة واحدة بالنسبة لنا. كما يمكن خداعنا والتلاعب بنا, وتضليلنا بمعلومات زائفة.

وفي هذا يقول سكوت ويت, وهو رجل أعمال ناجح وقد ألف كتب حول التجارة والنجاح الشخصي:

إن المعلومات الزائفة تأتي بإتباع عدة طرق:

حقائق وردت عن أشخاص لهم مصالح ومخاطر شخصية في الأمر.

ملاحظات من أشخاص لم يحصلوا على خبرات, أو تدريب كاف في ذلك المجال الخاص.

معلومات تم التوصل إليها على عجل, وقد تحتوي على أخطاء في الأرقام والطباعة.

تقارير سطحية لم تتناول الموضوع بعمق.

آراء تم اتخاذها مسبقاً دون أن تستند إلى حقائق.

أو تكون ببساطة من النوع الذي عفا عليه الزمن.

وهناك قاعدة أساسية في عصر المعلومات تتلخص في عدم قبول أي شيء دون نقد. فالتسليم بكل الأمور قد يؤدي إلى كارثة, وكن على ثقة من أن ما استوعبته هو أمر غير دقيق ومطابق للوضع الراهن قبل أن تقبل على تنفيذه. فقد يتجاوز الأمر عدم الفائدة إلى ما هو أسوأ من ذلك. إن أهم خطوة بالنسبة للمعلومات هو تخليصها من الشوائب المحيطة بها. وهذا هو ما يكشف الفارق بين المتعلم الممتاز وأستاذ في تدقيق المعلومات. وهو أمر بالغ الصعوبة. وهناك أربع عشرة أداة موثوق بها سوف توضح لك كيف تكتشف الزائف من المعلومات عندما تقدم لك. وسوف تكون قادر على التعرف على قيمة المادة الإعلامية. وأكثر من ذلك أهمية التعرف على جدواها بشكل فوري. وباختصار فأنت قد أصبحت مالكاً لزمام كم ونوع المعلومات التي تصلك يومياً. وفجأة تحول ما كان يعتقد بأنه جبل من المعلومات يصعب تسلقه إلى أمر بالغ السهولة.

سبع طرق مؤكدة للتعرف على المعلومات الزائفة والخاطئة والمشوهة

في معظم الحالات لا يعد التأكد من صلاحية ما تقرأ وتسمع أمراً بالغ الصعوبة أو الإطالة. ولا يحتاج الأمر إلى الرجوع إلى الكتب خاصة والبحث عنها في كل مكان فأنت تستطيع التفرقة بين الغث والثمين من النظرة الأولى. وفي كل وقت تمر عليك أفكار ومعلومات جديدة عليك أن تسأل نفسك الأسئلة التالية التي سوف تساعدك على التعرف على الحشو الرديء الذي يستنفذ تسعين في المائة من الوقت دون بذل مجهود واسأل نفسك:

هل توجد كلمات غير محددة أو لغة غامضة؟

ماهو مصدر المعلومات؟

هل تحتوي البيانات على تعميمات؟

هل تعتمد بشكل أولي على التناظر والتشابه؟

هل هي صالحة للوقت الحاضر؟

هل هي أصلية أم مستعملة؟

هل هناك دلائل مساعدة. أم هي مجرد وجهة نظر؟

هل هناك كلمات غير محددة أو لغة غامضة؟

تصل إلينا المعلومات الحقيقية دائماً في شكل أرقام, وكلمات محددة وواقعية. ولذا عليك البحث عن اللغة الغامضة والكلمات المبهمة وبخاصة تلك التي يمكن تفسيرها على عدة أوجه العمل على تجنبها.

ما هو مصدر المعلومات؟

أحياناً كثيرة ما تكون مصادر المعلومات للكاتب أو المتحدث غير كافية ومغلوطة وواضحة الخطأ. لذا لا تعتمد على الحقائق ما لم يكن مصدرها واضحا. وإذا كانت منسوبة إلى مصادر غامضة أو غير موجودة فسوف يكون لك الحق في رفضها وعدم الثقة بها.

هل تحتوي على تعميمات وأحكام عامة؟

لا تثق في التعميمات وما قد يقوم عليها من أفكار وحوارات. وغالباً لا تكون البيانات المطلقة عن المجموعات والأشخاص صالحة للاستخدام. فالحياة تضم اختلافات كثيرة للغاية, ولا يمكن تعميم شيء ما على كل المخلوقات.

هل تعتمد أساساً على التشابه الجزئي والتماثل؟

لا يمكن الاعتماد بشكل مطلق على التشابه الجزئي والتماثل. والتماثل قد يضم وسائل لإيضاح النقاط والقضايا عن طريق المقارنة بينها وبين أشياء أخرى لها نفس الخصائص. وهي تفترض أن بسبب وجود علاقة بين شيئين فإنهما يتشابهان بكل الطرق. ولكن لا يمكن المقارنة بين الأشياء المختلفة. فهي تتناقض في بعض النواحي والطرق. فإدارة أحد الأعمال قد يشبه أمور كثيرة مثل مصارعة سيوف السوماري اليابانية التي تعود إلى القرون الوسطى. ولكن الأمر ليس حرباً بالسيوف وسوف يكون خطيراً لو اتخذنا قراراتنا طبقاً لمبادئ ضاربة القدم.

هل المعلومات حديثة ومستخدمة وقابلة للتطبيق؟

تتغير الأشياء والظروف وتلغي النظريات الفنية الأفكار بعضها البعض بسرعة البرق في هذا العصر. وسوف يكون من الخطأ أن نقبل حقائق وأفكار غير حديثة أو غير مطابقة لزمانها. وكلما كانت المعلومات قديمة كانت بدورها خارجة عن نطاق الزمن.

هل هي المعلومات حديثة أم قديمة؟

تأتي دائماً أفضل المعلومات أول ما تأتي على ألسنة من يعرفون حقاً الحديث عنها لخبرتهم المباشرة بها. على الجانب الآخر فإن الأحاديث التافهة واللغو تزداد فرصة الخطأ المعتمد وغير المعتمد فيهما بعد مرورهما على ألسنة أناس عديدين.

هل هناك دلائل مساعدة أم أنها مجرد وجهة نظر؟

إن أحد مساوئ العصر الإليكتروني هو أننا نواجه على جميع الجبهات وجهات نظر شخصية متنكرة في شكل حقائق. إنها مجرد آراء شخصية إلا إذا قدم المؤلف أو المتحدث أرقاماً محددة ومقاييس ومصادر أو حالات واقعية. وما عدا ذلك فهي افتراضات غير مدعومة. وبدون الخبرة أو المعلومات الموثقة فإن رأي أي شخص لا يختلف عن الآخر. إن وجهات النظر قد تضيء الطريق ولكن لا تتركها تأخذك بعيد عن الحقائق.

كشف التلاعب بالمعلومات

تستطيع الأسئلة السبعة السابقة أن تكشف لك عن خمسة وتسعين في المائة من جميع الحالات التي تجد فيها شيئاً جديرا بأن يشد انتباهك لملاحظته أو تذكره, أو متابعته تكشف لك إذا كان مزيفاً أو حقيقياً. غير أن بعض الكتاب, والمؤلفين, والمتحدثين أصبحوا خبراء في لي الحقائق وتحريف الكلمات لخلق انطباعات واستنتاجات مضللة لخدمة أهوائهم الخفية. غير أنك أيضاً تستطيع أن تزيح القناع عن محاولاتهم لخداعك, وتضليلك واستغلالك, حيث أصبح من اليسير أن تضع أصابعك على مواطن التلاعب بالمعلومات في كل مرة إذا عرفت مفتاح حل شفرة الراوي.

•كشف "البراهين الانتقائية"
•كشف "تحويل الانتباه"
•كشف "تلويث السمعة"
•كشف "المناقشات المثيرة للمشاعر"
•كشف "الاستشهاد بأصحاب النفوذ"
•كشف "النتائج الخاطئة المؤسسة على حجج واهية".

كشف "البراهين الانتقائية"
يعتبر المتلاعبون بالمعلومات أساتذة لا يشق لهم غبار في عرض المواد التي تدعم آراءهم فقط, فهم يتجاهلون عن عمد كافة الحقائق غير الملائمة والمتناقضة معهم. (ونظراً لأن لكل قصة جانبين, فهناك دائماً ما يقال عن الجانب الآخر). فعلى سبيل المثال, ما الأمر إذا أراد أحدهم أن يبيع لك سلعة استناداً إلى فعاليات ندوة نظمتها شركته في مجال التدريب على الإرادة. من الطبيعي أن يكون كتيب الترويج مختماً بالشهادات البراقة لأولئك الذين حققوا نجاحاً باهراً لمجرد تطبيقهم للمبادئ المقررة في الندوة. لا شك أن هذا الأمر جدير بالاعتناء, غير أن هؤلاء الأشخاص ليسوا سوى عدد قليل من بين مئات وآلاف آخرين. ولعل أعدادا أكبر منهم قد تعرضوا لتجربة عكسية تماماً حيث يكون قد تبين لهم أن ما تلقوه في الندوة لم يكن مناسباً للتطبيق الفعلي الناجح. (وقد يكون السبب فيما أحرزه الأولون من نجاح يرجع إلى مواهبهم الذاتية, على الرغم من الندوة وليس بسببها).

كشف "تحويل الانتباه"
يحاول المتلاعبون بالمعلومات أن يحولوا انتباهك بعيدا عن اكتشاف ثغرات في مناقشتهم أو توجيه أسئلة منطقية قد تثور في ذهنك بشأن إفادتهم. ويطلق بعض الناس على مثل هذا السلوك "تحويل الانتباه المعلوماتي". ولعل أشهر مثال يضرب على ذلك الخطيب الذي واجه سؤال محرجاً فلم يجد مخرجاً لمدارة افتقاره للشجاعة اللازمة للإجابة عنه سوى تغيير موضوع الحديث "أننا جميعاً نتفق على أن عائدات الشركة كان يمكن أن تكون أفضل من ذلك العام. غير أن إثارة أسئلة عن سوء الإدارة يعد نوعاً من التطرف. وعلى كل حال, فقد تعرضت العديد من المؤسسات إلى انتكاسات. أما الصورة الاقتصادية فكلكم تعرفونها.

كشف "تلويث السمعة"
عندما تتأزم الأمور, يصبح المتلاعبون بالمعلومات أشد غلظة. وإذا فشلوا في الصمود أمام الموقف, أو إذا كان الخصم أفضل منهم, فإنهم يتجاهلون الموضوع ويشرعون في إلقاء الوحل على الطرف الآخر. فقد يحاول مندوب للمبيعات خلال عرضه لسلعته على عميل مهم أن يصرف النظر عن سؤال وجهه مندوب منافس له بدعوى أن لهذا المندوب دافع شخصي لدى السائل, فإن هذا لا ينفي احتمال وجاهة السؤال.

كشف "النقاشات المثيرة للمشاعر"
إن المتلاعبين بالمعلومات خبراء أيضاً في إثارة المشاعر بهدف تعبئتنا في صالح قضية ما أو ضد قضية ما. إن الكلمات لا تنقل الحقائق فقط. بل تنقل المشاعر أيضاً. إن أحداً لا يقبل أن يطلق عليه لفظ "غبي" حيث يثير ذلك مشاعر الغضب لديه. كذلك فأن كلمات مثل "طفل مصاب" من المرجح أن تثير مشاعر عارمة لدي معظم الناس. فإذا أراد أحدهم أن يسلبك ملكاتك المتميزة، فإنك ستفقد نقاطاُ مهمة في منافستك معهم، وسيقومون بنشر ما يريدون قوله في حرية محملاُ بالمضامين المثيرة للعواطف. فعندما تسمع قولاُ مثل "إن الاتجاهات الانهزامية من شأنها تقويض موقف الشركة بكامله" فإنه كفيل بإثارة قدر ضخم من الاضطراب. ولكن هل هذا حقيقي، أم أن الشخص الذي يوجه الاتهامات يحاول التغطية على أعدائه المتدني؟

كشف "الاستشهاد بأصحاب النفوذ"
يهوي المتلاعبون بالمعلومات إبهارك بمقتطفات عن المشاهير والخبراء. فمثلا يقول أحدهم إن علامة شميتز (SCHMITZ) من جامعة هارفارد يتبنى نفس الموقف! غير أن أستاذا في علم التسويق قد لايكون على معرفة دائما بما ينفع في الممارسة الفعلية. كذلك فإن الخبراء قد يخطئون في فهم المسئولين الذين يأخذون عنهم، بل إنهم قد يفهمون عكس ما يقصدون تماما في أحيان أخرى.

كشف النتائج الخاطئة "المؤسسة على حجج واهية"
إن ما يسعى هؤلاء المتلاعبون بالمعلومات إلى تحقيقه من وراء كل ذلك هو الوصول إلى نتائج زائفة تأسيسا على حقائق خاطئة ومناقشات واهية. وتهدف الفكرة كلها إلى تشتيتك كليا عن اختراق نقاط الضعف في مواقفهم باستثارة مشاعرك عن طريق شن حملات التشويه، و التلافظ والاستشهاد بأقوال أصحاب النفوذ. ويعتبر ذلك من الاستراتيجيات الشائعة في عوالم التسويق والسياسة والإعلانات. فعلى سبيل المثال "أن شخصاُ ما اعتبر شركة البرمجيات بمثابة استثمار جذاب نتيجة للتلاعب عن عمد في أدلة زائفة لخلق صورة غير حقيقية عن إمكانيات الشركة"

****************

إذا تشككت فتحقق!

ليست هناك أي مصادر لا يعتريها التشكك. وحسب تقارير صحفية, حدث أن أتخذ رجل أعمال منذ سنوات عديدة قرارا بالغ الخطورة استنادا إلى أرقام وردت في "التقرير الإحصائي السنوي للولايات المتحدة الأمريكية". ومن المعروف أن هذه الوثيقة المهمة تحتوي على الإحصائيات السكانية الرئيسية للمواطنين وغيرها من الإحصائيات الديموجرافية التي يعتمد عليها رجال الأعمال والإدارات الحكومية, وتنشرها المطبعة الحكومية الأمريكية. وبمحض الصدفة الخالصة, اكتشف رجل الأعمال وجود خطأ في وضع العلامة العشرية في الإحصائيات الخاصة بأنواع محددة من المنتجات البلاستيكية. وأسفرت الأبحاث اللاحقة التي أعلن عنها على نطاق واسع, أن هذا الكتاب المهم محشو بالمئات من الأخطاء الضخمة والبسيطة على حدٍ سواء.

إنه لا يجب أن تعتمد على الحظ لإنقاذك. وبالاستعانة بما تملكه من بصيرة كاشفة, ستكون قادرا على فرز الحقيقي من الزائف في كل شيء باستثناء حالات قليلة. وإذا ما تعلق الأمر بالتعاملات التجارية وكانت المعلومات ذات أهمية خاصة, وجب عليك التحقق أكثر من مرة. وفي سبيل ذلك قم بزيارة إلى المكتبة, أو استطلع الشبكة العالمية للمعلومات (الإنترنت), أو اسأل صديقاً لك أو صديقاً لصديقك يكون من ذوي الخبرة.

إن عصر المعلومات قد يفرض بعض المتطلبات, غير أنه يتيح أيضاً العديد من الفرص. ونظراً لأن الأدوات والقدرات اللازمة لإدارات المعلومات المتدفقة إلى حيث أنت كماً ونوعاً أصبحت رهن إشارتك. فأنت حر في استعمالها, كمعاونة قوية لنفس أجهزة الحاسبات الآلية, والهواتف التصويرية (فاكس), وقنوات الكابلات, وأجهزة القياس (مودم), وغيرها من الأدوات التي كانت تهددك في يوم ما بالسيطرة عليك. وتتدفق قنوات المعلومات الأسطورية الجديدة هذه في اتجاهين ـ منها إليك ومنك إليها. وإذا ما استفدت منها جيداً فسيكون بوسعك الحصول حرفيا على المعلومات التي تريدها تحديداً, في الوقت الذي ترغبه, جاهزة عند أطراف أصابعك. إن السيطرة على عصر المعلومات أصبح أسهل الأشياء.

********* تم ********

المصدر

كيف تضاعف قدراتك الذهنية

للكاتبة/ جين ماري ستاين

ڨولتير محطم الخرافات

ڨولتير محطم الخرافات

يهفو الذهن إلى ذكرى ڨولتير كلما هبت على الأمة عواصف الظلام التى تقيد الحرية وتسوغ الاعتقال وتمنع الكتب وتراقب الصحف وتضع الحدود والسدود للعقول , وتنتهك النفوس البشرية بأفظع مما ينتهك الفاسق الأجساد البشرة .

ذلك لأن ڨولتير عاش من أجل الحرية . وكانت إيماءة حياته احترام الإنسان وكرامة الناس وحريتهم . ومن الحسن أن نقرأ تاريخه , ومن الأحسن أن يقرأه أولئك الذين حملوا النيابة العامة فى مصر على أن تقوم بأكثر من أربعمائة تحقيق مع الصحف فى أقل من سنتين بين سنة 1944 و 1946 , ثم بعد ذلك منعوا بعض الكتب الأوربية من الدخول إلى مصر , كما منعوا بعض المؤلفين من طبع مؤلفاتهم ونشرها .

ولد ڨولتير فى عام 1694 ومات فى عام 1778 . وتغير تاريخ أوربا بحياته , إذ نقل هذه القارة من التعصب إلى التسامح ومن التقييد إلى التحرير . وغرس بذلك شجرة الديمقراطية , وحمل على العقائد والخرافات الضارة فحطمها , كما بسط الآفاق لحكم العقول , فظهرت الحكومات المدنية العصرية .


وقد كان ڨولتير يمثل الطبقة الجديدة البازغة , طبقة الصناعيين والتجاريين الذين شرعوا يأخذون مكان النبلاء فى المجتمع الأوربى , ومن هنا كان إحساسه بضرورة الحرية واحترام الكرامة البشرية عميقاً , لأن النبلاء الإقطاعيين كانوا يستعبدون الفلاحين . وعاش ڨولتير طوال عمره وفى نفسه حزازة , فإن النبلاء استطاع أن يحبسه فى سجن البساتيل وأن يراه وهو يجلد انتقاماً منه لبضعة أبيات من الشعر ألفها عنه ڨولتير . وقد خرج من السجن وهو يبغض النبلاء ويدعو إلى إلغاء النظام الإقطاعى وسافر إلى إنجلترا وتقى بها أربع سنوات , فأعجب بشيئين هما الدستور الإنجليزى الذى ينص على أن الحكم للشعب , وأيضاً العالم الرياضى نيوتن . ولما عاد إلى فرنسا دعا إلى الأخذ بقواعد الدستور الإنجليزى فى الحكم . ولو أن الحاكمين تنبهوا فى ذلك الوقت إلى قيمة هذه الدعوة لعملوا بها . وعندئذ كانوا يتفادون بلا شك من جموح الثورة الفرنسية الكبرى .

وأسوأ ما تصاب به أمة أن يتحد الدين مع الاستبداد , وأن يتحالف الطغاة مع الكهنة , بحيث يستند الدين إلى قوة البوليس , ويستند الاستبداد إلى أساطير الدين . وهذا ما فشا فى فرنسا فى القرن الثامن عشر .فقد صدر قانون فى عام 1757 بإعدام المؤلفين الذين يهاجمون الدين .

وصحيح أن هذا القانون لم ينفذ , لأن الذين وضعوه أحسوا بالأخطار التى يستهدفون لها إذا جرءوا على تنفيذه , ولكن حركة التأليف وقفت أو كادت بسبب هذا القانون . واستمر إحراق الكتب إلى عام 1788 أى قبل الثورة بعام واحد .

ولكن ڨولتير استطاع أن يخرج العشرات من الرسائل الحرة بأسماء مستعارة أى مزورة ,كى ينجو من خطر الإعدام .

وكان فى هذه الرسائل يحطم الأساطير ويحمل على الطغيان الحكومى والكنسى , وقبل كل شيء يدعو إلى التسامح , وأن الناس إخوة ولو كانوا مؤمنين أو ملحدين , كسيحين أو مسلمين يهوداً , أو بوذبين .

ولقى ڨولتير عنتا فى دعوته إلى الحرية , وخاصة حرية العقيدة , لأن الكنيسة الكاثوليكية كانت تحالف فى أيامه الحكومة الفرنسية , وكانت تحمل الحكومة والشعب معاً على التعصب وإيذاء غير الكاثوليك .. وقد كتب ڨولتير بقلمه وأنفق من ماله كى ينقذ العائلات التى وقع بها الاضطهاد الدينى وكى يدعو إلى التسامح وحرية العقيدة .

واحتال كى يعيش وكى يرصد حياته للكفاح فى سبيل الحرية . وكان من احتياله أن اشترى أرضاً فى سويسرا وأرضاً أخرى فى فرنسا . وكانتا تتجاوران . وذلك ترقبا للاضطهاد من إحدى الحكومتين السويسرية أو الفرنسية . بحيث يستطيع الفرار إلى فرنسا إذا وجد الحملة عليه من الثانية .

وعاش على هذه الحال السنين الطويلة كى يؤدى رسالته , وهى صيانة الحرية من الوحوش الآدميين الذين كانوا يكرهون من لا يؤمن بإيمانهم .

وقد كان فى باريس شيء يسمى " برلمان " ولكنه لم يكن يمثل الشعب , ولذلك كان أعضاؤه يسيرون وينقادون إلى دعاة الاستبداد من الحكومة والكنيسة معاً . وقد عنى هذا " البرلمان " بأن يحرق قصيدة لڨولتير .

وألف ڨولتير المعجم الفلسفى , فمنعت الحكومة الفرنسية بل معظم الحكومات الأوربية , تداوله وحكم على مؤلفه بالفكر .

وشاعت لڨولتير أخيراً شهرة بأنه زعيم الحرية , فكانت تصل إليه شكاوى المضطهدين من الأحرار من جميع الأقطار يطلبون منه الدفاع والإسعاف , وكان يجمع لهما المال كى ينقذهم من حكوماتهم ومن كنائسهم . وما زلنا إلى الآن نسمع عبارة ڨولتير : " اسحقوا الخزى " . وهذا الخزى هو اضطهاد الأحرار المخالفين للكنيسة .

ومع كل ما اتهم به ڨولتير لم يكن كافراً , فإنه كان يؤمن بالله أعظم الإيمان , ولكنه كان يعتقد أن الكنيسة يجب ألا تحتكر الدين . وأننا يجب أن نكون " إلهين " قبل أن نكون مسيحيين أو يهوداً أو هندوكيين . وهو يقول :

" كلمة الاهى هى الوصف الوحيد الذى يجب أن يتصف به الإنسان , والكتاب الوحيد الذى يجب أن يقرأ هو كتاب الطبيعة . والديانة الوحيدة هى أن نعبد الله , وأن يكون لنا شرف وأمانة . وهذه الديانة الصافية الخالدة لن تكون سبباً للأذى " .

وكان ڨولتير يرى الله فى كل مخلوق , حتى قال : " إن البرغوث شيئاً من الألوهية ".

وكتب عن نفسه فى المعجم الفلسفى يقول :

"إنى أجهل كيف تكونت وكيف ولدت , وقضيت ربع حياتى وأن أجهل تماماً الأسباب لكل ما رأيت وسمعت وأحسست . وكنت ببغاء تلقنى ببغاوات أخرى . ولما حاولت أن أتقدم فى الطريق الذى لا نهاية له , لم أستطع أن أجد طريقاً معبداً ولا هدفاً معيناً , فوثبت وثبة أتأمل الأبدية ولكننى سقطت فى هوة جهلى ".

والواقع أننا حين نتأمل حياة ڨولتير نجد أن الكنيسة الكاثوليكية قد انتفعت بعداوته لها لأنها كفت عن اضطهاد المخالفين . وكان هذا الاضطهاد أكبر ما توصم به القرن الثامن عشر كما كان أكبر ما يعمل لفسادها .

وكذلك انتفعت بفصلها من الدولة , لأن اعتلاء الدين للدولة يضر الدين ويحطمه , إذ يغنيه عن القوة الروحية والأخلاق السامية بما يستمتع به من قوة بوليسية وحماية قانونية . والدين يجب أن يتجرد من أى سلطان مادى , أى حكومى أو بوليسى , حتى يستنبط قواه الروحية المستقلة ويصل إلى القلوب عفواً دون مساعدة خارجية .

وهذه هى مهمة ڨولتير التى علمها لأوربا , مهمة الحرية الفكرية وفصل الدين من الدولة .

وليس لڨولتير عبرة أو دلالة واحدة لعصرنا , وإنما له عبر ودلالات كثيرة , فإننا نفهم منه أن حرية العقل وحرية العقيدة وحرية الضمير هى أثمن ما يملكه البشر .

وأن الحكومة أو الهيئة التى تنتهك هذه الحريات ترتكب أفظع الجرائم , وهى جريمة الخيانة للروح البشرى , وعبرة أخرى نستخلصها من حياته هى أن الأديب ليس رجل القلم والحبر , وتقليب الكتب واجترار الأقوال القديمة , وإنما هو المكافح المبتكر الذى يشترك فى هموم البشر واهتمامات المفكرين دعاة التطور والرقى . وأن أدباء البرج العاجى الذين يقفون بعيداً عن معترك الحياة الاجتماعية والأخلاقية والسياسية لا قيمة لهم ولا منفعة منهم , بل هم بمثابة الجندى الفار من المعركة .

وعبرة ثالثة هى أن بؤرة الأديب شخصيته , من حيث إنه يكتب عن إحساس ووجدان بما يحس ويجد . ثم يصدر عن ذلك مفكراً للتنظيم والتوجيه , ولذلك قيل إن أسلوب الكاتب هو شخصيته أو أخلاقه . ومن المحال أن يقنعنا كاتب فاسق بضرورة الطهارة , أو كاتب يتعلق بالمستبدين وينتفع منهم بضرورة الديمقراطية .

ولقد عِشت حياتى وهنئت أيما هناء , وتعزيت أحياناً أيما عزاء , بمرافقة ڨولتير وتأمل كلماته وتتبع حياته فى أخطائها وأخطارها وتطورها .

وعرفت منه معرفة الإحساس والوجدان معاً أن حرية العقل هى قدس الأقداس فى النفس البشرية .

كانت حياة ڨولتير كفاحاً نجح فيه , ورد إلى الإنسان بعد أن كانت قد حرمته إياها الكنيسة والدولة واستطاع أن يحمل جماهير أوربا على الإيمان بالطبيعيات بدلا من الغيبيات إلى حد بعيد , كما استطاع أن يرد إلى التاريخ مكانته , وأن يجعل للتنقيب التاريخى فضل الاهتداء إلى الحق والباطل فى العقائد . ودعا إلى العقل دون العقيدة .

وأكبر لذلك من شأن " بيكون " داعية التجربة و " ديكارت " داعية العقل . وكان على وجدان برسالته التاريخية من حيث إنه رائد العصر الجديد . عصر العقل والعلم . وقد كتب فى عام 1760 إلى " هيلڨيتبوس " يقول :

" إن هذا القرن بدأ انتصار العقل "

ولقد عشت فى هذا الوطن الأسيف , مصر , نحو ثلاثين سنة من عام 1914 إلى عام 1949 فى أسر الأحكام العرفية والرقابة القلمية , وذلك كى يعيش المستعمرون من الإنجليز , والمستبدون من المصريين , وهم فى تحالف لمنع الحريات عن الشعب . وقد ألفت كتابين عن الحرية هما " حرية الفكر " وهو تاريخ للأبطال الذين كافحوا التعصب و الاستبداد والرجعية والجهل , ثم " حرية العقل فى مصر " وهو دعوة إلى إلغاء إدارة المطبوعات التى تمنع إصدار الجرائد والمجلات إلا تأدية غرامة مالية

( فى صورة تأمين ) وفى كلا الكتابين أنعام تتردد من ذكرى ڨولتير .

وقد كان ڨولتير يقول : " إنى قلما أتعمق , ولكنى واضح فى الفكرة على الدوام " .

وهذه كلمة أستطيع أن أقولها أنا أيضاً , وإذا كنت فى حياتى الأدبية قد وصلت إلى أن أختص بأسلوب , فإنى أغترف هنا بأنى لم أقصد قط إلى الهدف . وإنما كانت غايتى أن أصل إلى التعبير الجلى الذى يوضح فكرتى . وأظن أنى نجحت فى ذلك .

وعند الفرنسيين مثل يقول : " ما ليس واضحاً ليس فرنسياً " , ولهم الحق فى ذلك . وهذا الوضوح يعزى إلى التزامهم المنطق السليم الذى تعلموه من ڨولتير و أمثاله .

المصدر

كتاب هؤلاء علمونى لسلامة موسى